الفصل الخامس: انسحاب كايل
بعد أسبوعين... ساحة التدريب الرئيسية
كان الجو مشمسًا، والطلاب مجتمعون في ساحة التدريب الواسعة. اليوم هو اختبار منتصف الفصل الأول، حيث يجب على كل طالب إظهار تقدمه في التحكم بالطاقة السحرية.
البروفيسورة ميرانا واقفة في المنتصف، وفي يديها لوح تسجيل. إلى جانبها، البروفيسور فالكور وبعض الأساتذة الآخرين.
قالت ميرانا بصوتها الجاف:
· اليوم سنختبر ما تعلمتموه في الأسابيع الماضية. كل طالب سيؤدي تمرينين: الأول، إطلاق كرة نارية باتجاه هدف ثابت. الثاني، إنشاء درع دفاعي بسيط.
نظرت إلى الطلاب:
· من يتطوع أولاً؟
تقدم الطلاب واحدًا تلو الآخر. معظمهم نجح بشكل مقبول، بعضهم فشل، والقليل أبدع.
ليام كان من المبدعين هذه المرة. كرته النارية أصابت الهدف بدقة، ودرعه صمد أمام اختبار بسيط. ابتسم بغرور وهو يعود إلى مكانه.
جاء دور أليان فالون. وقف في المنتصف بهدوء، رفع يده، وأطلق كرة نارية مثالية، ثم أنشأ درعًا متقنًا في ثوانٍ. الأساتذة تبادلوا نظرات الإعجاب.
ثم...
· كايل كوستراف.
صمتت الساحة. كل العيون توجهت نحو المقعد الخلفي.
وقف كايل ببطء. مشى نحو المنتصف بخطوات ثقيلة. وقف أمام الهدف، رفع يده اليمنى المغلفة بالقفاز الأسود.
ركز. حاول. تذكر كل النظريات التي قرأها، كل المعادلات التي حفظها.
لا شيء.
حاول مجددًا. يده بقيت باردة، خالية من أي طاقة.
الهمسات بدأت:
· مرة أخرى...
· أليس من المفترض أن يكون قويًا؟
· نظري فقط كما قلنا...
البروفيسورة ميرانا قالت بصوت محايد:
· كايل، يمكنك المحاولة مرة أخيرة.
أخذ نفسًا عميقًا. ركز بكل قوته. شعر بالطاقة تتجمع في داخله، شعر بشيء يتحرك، شعر...
وفجأة... انفجرت الطاقة.
لكن ليس ككرة نارية. كان شيئًا آخر. موجة هائلة من القوة اندفعت من جسده دون سيطرة، دون توجيه. الأرض تحت قدميه تصدعت، الهواء حوله تجمد ثم اشتعل، الطلاب القريبون منه تطايروا أرضًا.
صرخات الرعب ملأت المكان.
كايل نفسه كان يصرخ تحت قناعه، جسده يرتجف بعنف. حاول السيطرة، حاول إيقاف ما بدأ، لكنه لم يستطع.
صوت نيون من داخله:
· كايل! دعني أساعدك!
· لا! ابقَ مكانك!
· أنت تفقد السيطرة!
· أستطيع وحدي!
لكنه لم يستطع. الموجة ازدادت قوة. الشقوق في الأرض اتسعت. السماء بدت تغتم قليلاً.
الأساتذة حاولوا الاقتراب، لكن القوة كانت تدفعهم للخلف. البروفيسور فالكور صرخ:
· هذا مستحيل! أي قوة هذه؟!
وفجأة... وقفت جيسيكا أمام كايل.
وضعت يديها على كتفيه، ونظرت في عينيه من خلف القناع. قالت بصوت هادئ، ثابت، لا يتأثر بالعاصفة من حولهما:
· كايل... أنا هنا. انظر إليّ. فقط إليّ.
جسده استمر بالارتعاش.
· تذكر من أنت. تذكر أنك لست وحدك. تذكر أنني معك.
الموجة بدأت تهدأ قليلاً.
· تنفس معي. خذ نفسًا عميقًا. أبطئ.
بدأت الموجة تخف تدريجيًا. الأرض توقفت عن التصدع. الهواء عاد طبيعيًا.
بعد دقائق، توقف كل شيء. كايل وقف مكانه، جسده منهك، يتنفس بصعوبة. جيسيكا ما زالت ممسكة بكتفيه.
نظر حوله. رأى الدمار الصغير حوله، رأى الطلاب الخائفين، رأى الأساتذة المذهولين.
همس بصوت خافت:
· أنا... أنا آسف.
ثم انهار على ركبتيه.
---
بعد دقائق...
جيسيكا ساعدت كايل على الوقوف. قالت للأساتذة:
· سأخذه إلى غرفته. يحتاج إلى راحة.
البروفيسورة ميرانا، التي كان وجهها شاحبًا، أومأت برأسها:
· نعم... نعم بالطبع. خذيه.
بينما كانا يغادران الساحة، ساد صمت تام. لا أحد تكلم. لا أحد تحرك. فقط العيون تتابع الأخوين وهما يبتعدان.
عندما اختفيا عن الأنظار، انفجرت الهمسات:
· هل رأيتم ذلك؟!
· الأرض تصدعت! بدون أي تعويذة!
· إنه خطر حقيقي!
ليام كان واقفًا في مكانه، وجهه شاحب. للمرة الأولى، لم يقل شيئًا. لم يستهزئ. فقط نظر إلى المكان الذي كان يقف فيه كايل، وإلى الشقوق في الأرض، وشعر بشيء لم يشعر به من قبل: خوف حقيقي.
أليان فالون نظر في اتجاه المخرج، وفي عينيه ليس خوفًا، بل... فضول عميق. همس لنفسه:
· إذن النظرية صحيحة... قوته الداخلية هائلة جدًا لدرجة أنها تمنع السطحية. لكن عندما تتفجر...
لم يكمل جملته.
---
في غرفة كايل
جلس كايل على سريره، رأسه منخفض. جيسيكا جلست بجانبه.
قال بصوت مكسور:
· أنا خطر. أنا قنبلة موقوتة.
· لا تقل هذا.
· رأيت وجوههم. الخوف. الرعب. أنا سبب هذا.
· أنت إنسان واجه موقفًا صعبًا. هذا يحدث.
· هذا لا يحدث للبشر العاديين. هذا يحدث للوحوش.
أمسكت جيسيكا بيده:
· أنت لست وحشًا. أنت أخي. أنت كايل. أنت من يقرأ الكتب ليلاً ليفهم نفسه. أنت من يغني لنيون ليهدأ. أنت إنسان، رغم كل ما فعله بك العالم.
رفع رأسه لينظر إليها. تحت القناع، كانت عيناه تدمعان.
· ماذا لو لم أستطع السيطرة على نفسي يومًا؟ ماذا لو خرج نيون أو ألين أو المجهول ولم أستطع إيقافهم؟
· سأكون هناك. سأوقفهم. كما أوقفتك اليوم.
· لكن...
· لا لكن. أنا لن أتركك أبدًا. تذكر هذا.
صمت كايل للحظة، ثم همس:
· أشكرك يا جيسيكا.
· لا شكر على واجب. هذا ما تفعله الأخوات.
من داخله، همس نيون بصوت خائف:
· كايل... هل أنا السبب؟
· لا يا نيون. لست أنت.
· لكني شعرت بك تفقد السيطرة. خفت.
· أنا أيضًا خفت. لكننا بخير الآن.
· جيسيكا أنقذتنا؟
· نعم. جيسيكا أنقذتنا.
همس نيون:
· أحبها.
ابتسم كايل تحت قناعه:
· أنا أيضًا.
---
بعد ساعة... خارج غرفة كايل
طرق خفيف على الباب. فتحت جيسيكا، فوجدت أليان فالون واقفًا.
· أعتذر عن المجيء، لكني أردت الاطمئنان.
· هو نائم الآن.
· ما حدث اليوم... كان مذهلاً.
نظرت إليه جيسيكا بحذر:
· مذهلاً؟ كنت سأصفه بصفات أخرى.
ابتسم أليان:
· أنا لا أقصد الخوف. أقصد القوة. القوة الحقيقية. التي لا تحتاج إلى تعاويذ أو طقوس.
· أنت لا تخاف منه؟
· لا. بل بالعكس، أنا فضولي. أريد أن أفهم.
نظرت إليه جيسيكا طويلاً، ثم قالت:
· معظم الناس يخافون مما لا يفهمون.
· وأنا أريد أن أفهم لألا أخاف.
صمتت جيسيكا للحظة، ثم قالت:
· تعال غدًا. ربما يكون مستيقظًا.
· شكرًا لك.
غادر أليان. وقفت جيسيكا تنظر إلى الباب المغلق، تتساءل: هل هذا الرجل حليف أم عدو؟
---
في اليوم التالي... قاعة المحاضرات
الطلاب مجتمعون، والهمسات لا تتوقف. الجميع يتحدث عن ما حدث بالأمس.
على المنصة، وقفت مورغانا بوجه جاد. قالت بصوت عالٍ:
· الأمس شهدنا حادثًا استثنائيًا. أريد أن أوضح شيئًا واحدًا: كايل كوستراف لم يؤذِ أحدًا. نعم، حدث دمار بسيط، لكنه لم يصب أي طالب بسوء.
صوت من بين الطلاب:
· لكنه خطير!
· كل ساحر قوي خطير. حتى أنت، لو امتلكت قوته، لكانت خطيرًا. الفرق أنك لم تمتلك، وهو يمتلك ويتحكم بنفسه.
· لكنه فقد السيطرة!
· وفقدان السيطرة درس نتعلمه جميعًا. كم منكم أخطأ في أول محاولة له؟ كايل أخطأ في التحكم بقوته الحقيقية. وهذا درس له وعلينا.
صمت الطلاب. كلمات مورغانا كانت منطقية، لكن الخوف بقي في العيون.
في المقاعد الخلفية، كان مقعد كايل فارغًا.
---
بعد ثلاثة أيام... عودة كايل
فتح باب القاعة، ودخل كايل بهدوء. جيسيكا إلى جانبه كالعادة.
هذه المرة، لم يفسح له الطريق أحد. لكن النظرات تغيرت. لم تعد مجرد فضول أو كراهية. أصبح فيها خوف حقيقي، وخليط من الاحترام.
جلس في مقعده، وبدأ الدرس.
في نهاية اليوم، اقترب منه أليان:
· كيف تشعر؟
· بخير.
· ما حدث... أتمنى ألا تؤثر فيك كثيرًا.
نظر إليه كايل من خلف قناعه:
· أنت الوحيد الذي اقترب مني بعدها.
· ربما لأني لا أخاف بسهولة.
صمت كايل للحظة، ثم قال:
· شكرًا لك.
· لا داعي للشكر. لكن إن احتجت من يتحدث معه... أنا هنا.
نظر إليه كايل، وفي داخله، شعر بشيء غريب. ربما كان هذا ما يسمى... صداقة؟
---
في المساء... غرفة كايل
جلس كايل يكتب في مذكراته:
"اليوم عدت إلى القاعة. النظرات تغيرت. الخلاف بين من حضروا الأمس ومن لم يحضروا بدأ يتلاشى، وحل محله شيء موحد: الخوف. الخوف مني.
لكن أليان مختلف. لا أعرف لماذا، لكنه مختلف. ربما يكون خطرًا، أو ربما يكون صديقًا حقيقيًا. الزمن كفيل بإظهار الحقيقة.
جيسيكا تقول إنني أستحق أشخاصًا طيبين في حياتي. لا أعرف إن كنت أستحق، لكني سأحاول أن أثق.
نيون يقول إنه يحب أليان. نيون يحب الجميع تقريبًا، لكن هذه المرة مختلفة.
غدًا يوم جديد. وربما... ربما يكون أفضل."
أغلق المذكرة، ونظر من النافذة إلى القمر. كان القمر بدرًا، جميلاً، هادئًا.
همس:
· ليلة سعيدة يا نيون.
· ليلة سعيدة يا كايل.
· ليلة سعيدة يا جيسيكا، وإن لم تكوني هنا.
ابتسم تحت قناعه، ونام.
---
يتبع...
---
