الفصل السادس: اختبارات التحمل
بعد أسبوع من حادثة فقدان السيطرة...
كان الصباح باردًا كعادته في أكاديمية ميلوري. أشعة الشمس الذهبية تتسلل بين أشجار الغابة المحيطة بالأكاديمية، تاركة ظلالاً متمايلة على جدران الحجر القديم. الطلاب يتجمعون في ساحة التدريب الرئيسية، تلك الساحة الواسعة التي تتسع لآلاف المقاتلين، والمحاطة بمدرجات حجرية ترتفع لأربعة طوابق.
الوجوه كانت تحمل مزيجًا من التوتر والترقب. اليوم هو أول اختبار حقيقي للقدرات القتالية: اختبار التحمل.
البروفيسورة ميرانا وقفت في المنتصف، وبجانبها البروفيسور فالكور وثلاثة أساتذة آخرين. في يديها لفافة طويلة من الرق، فتحتها ببطء، والجميع يتابعون حركاتها بصمت مطبق.
رفعت رأسها ونظرت إلى الطلاب بنظرة حادة، تلك النظرة التي تجعل العمود الفقري يتجمد.
· اختبار التحمل هو تقليد قديم في هذه الأكاديمية، يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام. في هذا الاختبار، يتوزع الطلاب إلى مجموعات عشوائية، وتواجه كل مجموعة تحديات قتالية متتالية. الهدف ليس الفوز، بل الصمود. إظهار القدرة على التحمل، التفكير تحت الضغط، والتعاون مع زملائك.
صمتت للحظة لتترك الكلمات تترسخ، ثم أكملت:
· هذا الاختبار سيحدد تصنيفكم الأولي في الأكاديمية. من يثبت نفسه هنا، سيكون له مكان بين النخبة. ومن يفشل... سيبقى في الخلفية لسنوات.
همسات خفيفة انتشرت بين الطلاب كالنار في الهشيم. التصنيف؟ النخبة؟ هذا يعني فرصة حقيقية لإثبات الذات، أو خطر السقوط في النسيان.
أكملت ميرانا:
· سنقسمكم إلى مجموعات عشوائية. كل مجموعة من خمسة طلاب. ستواجهون خصومًا من أساتذة الأكاديمية، كل خصم بمستوى مختلف وخبرة تمتد لعقود. الصمود لأطول وقت ممكن هو المطلوب، ولكن هناك معايير أخرى: التنسيق الجماعي، استغلال نقاط القوة الفردية، والقدرة على التكيف مع المتغيرات.
بدأت في توزيع الأسماء بصوتها الجاف. الطلاب ينصتون باهتمام، كل منهم ينتظر معرفة زملائه.
· المجموعة الأولى: ليام فالون، نورا تيراس، توماس كروسان، سيلان مورفي، مارك فينتراس.
ليام ابتسم ابتسامة واثقة. نظر إلى زملائه، رأى وجوهًا يعرفها، بعضهم أصدقاء، وبعضهم منافسون، لكنهم جميعًا أقوياء. همس لنفسه: "هذه مجموعة قوية. يمكننا تحقيق شيء كبير."
· المجموعة الثانية: أليان فالون، لينا كرافيل، كاريون ميرفي، ديلان فينتراس، إيلا كريستال.
أليان نظر حوله بفضول. رأى وجوهًا غير مألوفة تمامًا. لينا، فتاة صامتة بعيون حذرة. كاريون، شاب طويل القامة ينظر إليه بتقييم. ديلان، رياضي البنية يبدو واثقًا من نفسه. وإيلا، حفيدة أقوى السحرة، التي كان لها موقف في اليوم الأول. هذا يعني أنه سيتعامل مع غرباء، كل منهم له شخصيته وقدراته. التحدي هنا مختلف.
· المجموعة الثالثة: كايل كوستراف، جيسيكا كوستراف، رايلون تيرمون، زوريل كروكس، فينول تيراس.
صمت القاعة. كايل وجيسيكا في مجموعة واحدة؟ هذا غير متوقع. النظرات تبادلت بسرعة، الهمسات بدأت تخفت ثم تعود بقوة.
ليام همس لصديقه مارك بصوت منخفض:
· معًا في نفس المجموعة؟ هذا غش! كان يجب فصلهما! الأكاديمية تفضلهم!
مارك هز كتفيه:
· قالت عشوائي. ربما حظهم.
· حظ؟ أنت تصدق هذا؟
لكن ميرانا تجاهلت التعليقات تمامًا، وكأنها لم تسمع شيئًا:
· المجموعة الرابعة: ريان دومين، كاليان ميرفين، أوريكس كرافيل، ديمير دارلان، تاليرون فيلان.
واستمرت في التوزيع حتى اكتملت عشر مجموعات، كل مجموعة بخمسة طلاب. المجموعات تنوعت بين القوي والضعيف، بين المتجانس والمتباين، وكأن الأكاديمية تختبر ليس فقط قدراتهم القتالية، بل قدرتهم على التكيف مع أي ظرف.
---
الاختبار الأول: المجموعة الأولى
نزلت المجموعة الأولى إلى ساحة القتال الرئيسية. كانت ساحة واسعة، أرضها من الرمل الناعم، وعلى جوانبها أعمدة حجرية تحمل مشاعل تشتعل بنار زرقاء غامضة.
أمامهم وقف رجل ضخم الجثة، يكاد طوله يصل إلى مترين ونصف. كان يحمل سيفًا خشبيًا كبيرًا، لكن الخشب كان داكنًا ومطعمًا بخطوط فضية، مما يدل على أنه ليس سيفًا عاديًا.
قال بصوت عميق يشبه الزئير:
· اسمي البروفيسور غارث. مهمتكم بسيطة: الصمود أمامي لمدة عشر دقائق. لا تهزموني، هذا مستحيل. فقط ابقوا واقفين.
ليام تقدم خطوة، ونظر إلى زملائه. قال بصوت هادئ لكن حازم:
· نورا، أنتِ على الدفاع. توماس، أنت معي في الهجوم. سيلان، غطاء من الخلف. مارك، راقب تحركاته وأخبرنا بنقاط ضعفه.
بدأ القتال.
البروفيسور غارث تحرك بسرعة لا تتناسب مع حجمه. السيف الخشبي انطلق كالسهم، كاد يصيب توماس لولا تدخل نورا بدرعها السحري.
ليام هاجم من الجانب، استخدم سيفه بطريقة ذكية، حاول إلهاء غارث ليعطي زملائه فرصة. توماس ضرب من الأمام، سيلان أطلق سهامًا سحرية من الخلف، ونورا كانت تدافع عن الجميع بدرعها.
ثماني دقائق مرت كأنها ساعات. الجميع منهكون، يتنفسون بصعوبة. ليام كان يقود بذكاء، يغير الخطط باستمرار، يتكيف مع تحركات غارث.
في الدقيقة التاسعة، سقط توماس. في العاشرة، سقطت نورا. ليام صمد وحده لدقيقة إضافية قبل أن يقع على ركبتيه منهكًا.
البروفيسور غارث ابتسم ابتسامة نادرة:
· أداء جيد. ثماني دقائق كمجموعة، ودقيقة إضافية فرديًا. هذا يعادل شهرًا من التدريب العادي في أسبوع واحد.
عادت المجموعة وهم يشعرون بالفخر، رغم الإرهاق. ليام نظر إلى كايل من بعيد، وفي عينيه تحدٍ واضح: "تغلب على هذا إن استطعت."
---
الاختبار الثاني: المجموعة الثانية
نزل أليان ومجموعته إلى الساحة. هذه المرة، كان الخصم مختلفًا تمامًا: امرأة نحيفة، سريعة الحركة لدرجة أن العين تكاد لا تتبعها. كانت تحمل سيفين خفيفين، يلمعان كالفضة تحت ضوء المشاعل الزرقاء.
قالت بصوت حاد كالسيف:
· أنا البروفيسورة فيرا. شرطي مختلف. الصمود أمامي سبع دقائق كافٍ، لكني سأستخدم سرعتي الكاملة. مستعدون؟
نظر أليان إلى زملائه. رأى الخوف في عيون لينا، والترقب في عيون كاريون، والثقة في عيون ديلان، والفضول في عيون إيلا.
قال بصوت هادئ يبعث على الطمأنينة:
· لا أحد يستطيع مواجهة السرعة وحدها. سنعمل كشبكة. ديلان، أنت الأقوى جسديًا، ستكون نقطة الارتكاز. لينا وإيلا، تغطيان الأجنحة. كاريون، أنت معي في التحليل والتوجيه. لا نهاجمها، بل نحد من حركتها.
بدأت المعركة. فيرا كانت كالنسر، تنقض من هنا ثم تختفي لتنقض من هناك. لكن أليان كان يدير المجموعة بذكاء، يغير المراكز باستمرار، يحولهم إلى كتلة واحدة تتحرك بتناغم.
في الدقيقة الخامسة، كادت فيرا تخترق الدفاع وتصيب إيلا، لكن أليان كان هناك في اللحظة المناسبة، تصدى للضربة بذراعه.
في الدقيقة السابعة، كان الجميع لا يزالون واقفين. فيرا توقفت فجأة، وابتسمت:
· تسع دقائق. صمدتم تسع دقائق. هذا لم يحدث منذ سنوات.
عندما عادت المجموعة، نظرت إليهم ميرانا بإعجاب واضح:
· تسع دقائق مع فيرا! أداء استثنائي. خصوصًا أنكم لم تتدربوا معًا من قبل.
أليان نظر إلى كايل للحظة، ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم عاد إلى مكانه.
---
الاختبار الثالث: المجموعة الثالثة
حان دور كايل وجيسيكا.
نزلت المجموعة إلى الساحة. رايلون وزوريل وفينول كانوا يبدون قلقين. هم من العامة، قدراتهم محدودة، وها هم مع أشهر شخصيتين في الأكاديمية، أو الأشهر.
جيسيكا كانت هادئة كالعادة، تتحرك بثقة. كايل كان صامتًا، يتحرك كالظل.
أمامهم وقف رجل عجوز، بعيون غائرة كأنها ترى عوالم أخرى، وابتسامة غامضة لا تفارق شفتيه. كان يحمل عصا طويلة من خشب أسود، تتلوى حولها نقوش غريبة تلمع بخفة.
قال بهدوء يجعل الشعر يقف:
· أنا البروفيسور مالدوف. عمري يتجاوز السبعمائة عام، رأيت آلاف الطلاب، دربت مئات الأبطال. شرطي مختلف عن زملائي.
نظر إليهم بعينيه الغائرتين:
· ليس وقتًا محددًا، بل مهمة محددة: استخدموا قدراتكم معًا لتحريك هذا الحجر.
أشار بعصاه إلى صخرة ضخمة في منتصف الساحة، بحجم سيارة كبيرة، سوداء اللون، تكسوها نقوش قديمة.
رايلون، الشاب النحيل من عائلة تيرمون، قال باستغراب:
· تحريك حجر؟ هذا كل شيء؟ بعد كل هذا الرعب، مجرد حجر؟
البروفيسور مالدوف ضحك ضحكة خفيفة، لكن الضحكة كانت غريبة، كأنها تأتي من بئر عميق:
· هذا الحجر يا بني يزن أكثر من عشرين طنًا. وقد وضعت عليه تعويذة ثبات منذ خمسمائة عام، تزيد وزنه مئة ضعف. هذا الحجر كان مسكنًا لأحد آلهة الجبال القدماء، وما زالت فيه بقايا من قوته. تحريكه يتطلب تنسيقًا كاملاً بين أفراد المجموعة، وتوافقًا نادرًا في الطاقات.
صمت الجميع. عشرون طنًا في مئة ضعف؟ هذا يعني... ألفي طن؟! مستحيل!
جيسيكا نظرت إلى الحجر، ثم إلى كايل. كانا يتواصلان بدون كلمات، كما يفعلان دائمًا.
قالت جيسيكا بصوتها الهادئ:
· سنحتاج إلى توزيع المهام بدقة.
نظرت إلى رايلون وزوريل وفينول:
· أنتم ثلاثة، وقدراتكم مختلفة. رايلون، أنت من عائلة تيرمون، لديك قدرة على تحليل الطاقات، صحيح؟
رايلون أومأ برأسه، مندهشًا من معرفتها.
· زوريل، أنت من كروكس، عمال البناء والحرفيين. لديك فهم طبيعي للكتل والأوزان.
زوريل نظر إليها بدهشة:
· كيف عرفت؟
· قرأت عن العائلات قبل المجيء. فينول، أنت من تيراس، عائلة مرنة تكيفية. دورك سيكون الربط بيننا.
ثم نظرت إلى كايل:
· أنت على الربط الأكبر. تربط طاقاتنا معًا، وتوجهها.
كايل أومأ برأسه.
بدأوا العمل. رايلون وضع يديه على الحجر، وركز على تحليل التعويذة. زوريل بدأ يحسب الزوايا والقوى المطلوبة. فينول حاول تهدئة نفسه والتحضير للربط.
جيسيكا وقفت أمام الحجر، وضعت يديها عليه. قوتها لم تكن سحرية بالمعنى التقليدي، لكنها كانت هائلة.
وكايل وقف خلف الجميع، عيناه تراقبان، يفكر، يحلل.
مرت دقائق. لم يتحرك الحجر.
صرخ فينول بإحباط:
· لا أستطيع! الطاقات مشوشة! لا أعرف كيف أربط!
رايلون:
· التعويذة معقدة جدًا! ثلاث طبقات على الأقل، كل طبقة مختلفة!
زوريل:
· حسبت الزوايا، لكن بدون طاقة كافية، لن يتحرك!
كايل نظر إلى المشهد. كان يعرف الحل النظري. قرأ عن تعاويذ الثبات في كتاب نادر. كان يعرف كيف توزع الطاقات، كيف تكسر الطبقات، كيف توجه القوى.
لكن عندما حاول التوجيه... لا شيء. الكلمات تجمدت في حلقه.
همس نيون من داخله:
· كايل... دعني أساعد. أستطيع تحقيق أمنية تحريك هذا الحجر.
· لا. ليس الآن. ليس هنا.
· لكنهم سيفشلون! الجميع يراقب! سيظنون أنك ضعيف!
· دعهم يظنون ما يشاؤون. لن أستخدمك لتفاهات.
ركز كايل بشدة. تذكر كل كلمة قرأها عن تعاويذ الثبات، عن توزيع الطاقة، عن الربط الجماعي. ثم فتح فمه، وبدأ يتحدث بصوت هادئ، لكنه كان واضحًا كالجرس:
· فينول، تخيل أن الطاقات ليست خطوطًا مستقيمة، بل دوائر متداخلة. لا تحاول ربطها كلها مرة واحدة، ابدأ بدائرتين صغيرتين، ثم وسع.
· رايلون، تعويذة الثبات مكونة من ثلاث طبقات كما قلت. لكن الطبقة الوسطى هي المفتاح. اخترقها، والطبقتان الأخريان ستضعفان تلقائيًا.
· زوريل، أنت حسبت الزوايا بشكل صحيح، لكنك نسيت عامل الوقت. القوى تحتاج إلى توقيت. ادفع مع نبضات الطاقات، ليس ضدها.
· جيسيكا، أنتِ تعرفين قوتك. لا تدفعي الحجر، بل اجذبيه إليك. الفرق بين الدفع والجذب في هذه الحالة يعادل عشرة أضعاف القوة.
الجميع نظروا إليه. ثم بدأوا في تطبيق تعليماته.
فينول أغمض عينيه، وركز على ربط دائرتين صغيرتين. نجح. ثم أضاف ثالثة. ورابعة.
رايلون وجه طاقته نحو الطبقة الوسطى، شعر بمقاومة شديدة، ثم فجأة... اخترقها. التعويذة بدأت تضعف.
زوريل انتظر النبضات، شعر بها، وفي اللحظة المناسبة، دفع.
جيسيكا جذبت الحجر نحوها بكل قوتها.
وفجأة... تحرك الحجر. بوصة واحدة فقط، لكنها كانت كافية. الأرض تحت الحجر صدرت صوتًا عميقًا كالزئير، وغبار تصاعد من حوله.
البروفيسور مالدوف اتسعت عيناه. للمرة الأولى، اختفت الابتسامة الغامضة من على وجهه، وحل محلها ذهول حقيقي.
قال بصوت متهدج:
· ممتاز. حركتموه. هذا الحجر لم يتحرك منذ خمسمائة عام.
نظر إلى كايل نظرة طويلة، ثم أضاف:
· أنت... أنت لم تستخدم أي قوة، لكنك رأيت ما لم يره أحد. كيف؟
كايل صمت. لم يجب.
لكن مالدوف ابتسم مجددًا، ابتسامة مختلفة هذه المرة، فيها احترام:
· سأراقبك يا فتى. سأراقبك عن كثب.
---
عندما عادت المجموعة الثالثة، كان الجميع ينتظرون. ميرانا أعلنت بصوت عالٍ:
· المجموعة الأولى: 8/10. المجموعة الثانية: 9/10. المجموعة الثالثة: 10/10.
صيحات دهشة انطلقت من كل مكان. المجموعة الثالثة حصلت على الدرجة الكاملة؟! مستحيل!
تابعت ميرانا:
· البروفيسور مالدوف، وهو أقدم أساتذة هذه الأكاديمية، صنف أداءهم كاملاً لأنهم أظهروا شيئًا نادرًا: التنسيق الحقيقي. كل فرد استخدم قدراته بطريقة تخدم المجموعة. حتى من لم يستطع استخدام قوته بشكل مباشر، قاد زملائه بالفكر والتوجيه.
نظرت إلى كايل للحظة طويلة:
· القوة ليست دائمًا في العضلات أو السحر. أحيانًا تكون في العقل. تذكروا هذا جيدًا.
كايل بقي صامتًا، لكن تحت قناعه، كانت مشاعر مختلجة. هو لم يستخدم قوته، لكنهم نجحوا. هل هذا يعني أنه مفيد بطريقته الخاصة؟ هل يمكن أن يكون للعقل قيمة مثل العضلات؟
جيسيكا همست له بصوت لا يسمعه إلا هو:
· أرأيت؟ لست عاجزًا. أنت قائد.
· أنا فقط قلت لهم ما قرأته.
· وهذا بالضبط ما تحتاجه المجموعة. لا تستهين بنفسك أبدًا.
---
بعد الاختبارات... في ساحة الأكاديمية
الطلاب كانوا يتفرقون، كل مجموعة تناقش ما حدث. ليام كان واقفًا مع أصدقائه، وجهه متجهم.
قال مارك:
· عشرة كاملة؟! كيف؟!
توماس:
· المحسوبية واضحة. لأن أخته معه، أعطوهم الدرجة كاملة.
ليام هز رأسه:
· لا أعتقد. مالدوف معروف بنزاهته. لكني لا أفهم... كيف لشخص عاجز عن إطلاق كرة نارية أن يقود مجموعة للنجاح؟
نظرت نورا إليه:
· ربما لأن القيادة موهبة مختلفة.
· القيادة تحتاج إلى قوة. وإلا كيف يفرض احترامه؟
· هو لم يفرض احترامه. هو استحقه.
صمت ليام. في داخله، بدأ يشعر بشيء لم يشعر به من قبل: شك في نفسه. هل كان مخطئًا بشأن كايل طوال الوقت؟
هز رأسه بعنف، كأنه يطرد فكرة مزعجة:
· لا. أنا متأكد من موقفي. غدًا سأثبت أن القوة الحقيقية هي ما يظهر في ساحة المعركة، ليس في الكتب والنظريات.
لكن في قرارة نفسه، لم يكن متأكدًا. صوت صغير في داخله كان يهمس: "ماذا لو كنت مخطئًا؟ ماذا لو كان هناك أكثر مما تراه العيون؟"
---
في المساء... غرفة كايل
كان كايل يقرأ كتابًا عن استراتيجيات المعارك الجماعية، كتابًا سميكًا غلافه من الجلد الأسمر، وصفحاته صفراء قديمة. جيسيكا كانت جالسة على كرسي بجانب النافذة، تحدق في القمر.
طرق خفيف على الباب.
نظرا إلى بعضهما. زوار نادرون في هذا الوقت.
فتحت جيسيكا الباب، فوجدت أليان فالون واقفًا، وفي يده كتاب آخر.
· أعتذر عن المجيء متأخرًا، لكني أردت أن أقول شيئًا.
· تفضل.
دخل أليان، نظر إلى كايل الجالس على السرير والكتاب في يده. ابتسم:
· كتاب "استراتيجيات المعارك الجماعية" للجنرال فاليريوس؟ هذا كتاب نادر جدًا!
نظر كايل إلى الكتاب ثم إلى أليان:
· أنت تعرفه؟
· قرأت عنه. يعتبر من أهم المراجع في التكتيكات الجماعية. لكن يقال إن نسخته الأصلية فقدت منذ مئات السنين.
· هذه نسخة مخطوطة. وجدتها في المكتبة القديمة تحت الأكاديمية.
اتسعت عينا أليان:
· المكتبة القديمة؟ لكنها مغلقة! ومحروسة!
· وجدت طريقة للدخول.
صمت أليان للحظة، ثم قال:
· أنت مثير للاهتمام حقًا.
جلس على الكرسي المقابل، ووضع كتابه على الطاولة:
· جئت لأقول شيئًا. ما فعلته اليوم في الاختبار... كان رائعًا.
نظر إليه كايل باستغراب:
· أنا لم أفعل شيئًا. فقط تحدثت.
· تحدثت بطريقة غيرت نتيجة الاختبار. هذا ليس قليلاً. أنت حولت ثلاثة طلاب عاديين إلى فريق متكامل. هذا أصعب من أي قتال.
صمت كايل.
تابع أليان:
· في المعارك الحقيقية، المقاتلون وحدهم لا يكفون. يحتاجون إلى قائد. قائد يراهم، يفهمهم، يوجههم. أنت لديك هذه الموهبة.
· أنا لا أستطيع حتى إطلاق كرة نارية.
· لكنك تستطيع تحريك جبال من الأفكار. وهذا أهم. كثيرون يستطيعون القتال، لكن القليلين يستطيعون القيادة.
نظر إليه كايل طويلاً. ثم قال بصوت خافت:
· لماذا تهتم بي؟
ابتسم أليان ابتسامة صادقة:
· ربما لأني أرى فيك شيئًا لا يراه الآخرون. أو ربما لأني أؤمن بأن كل شخص يستحق فرصة. أو ربما... لأني أعرف كيف يشعر المرء عندما يكون وحيدًا.
صمت كايل. من داخله، همس نيون بصوت طفولي:
· كايل... أنا أحب هذا الرجل. هو لطيف.
كاد كايل أن يضحك، لكنه تمالك نفسه.
قال لأليان:
· شكرًا لك.
· لا داعي للشكر. بالمناسبة، أحضرت لك كتابًا. قد يفيدك.
دفع الكتاب نحو كايل. كان عنوانه: "نظرية القيادة في المواقف الحرجة".
· أهديك إياه. قرأته واستفدت منه كثيرًا.
نظر كايل إلى الكتاب، ثم إلى أليان. للمرة الأولى منذ سنوات، شعر بشيء غريب في صدره. ليس ألمًا، بل شيء آخر. دفء؟
· شكرًا... حقًا.
· تصبح على خير.
· وأنت من أهل الخير.
غادر أليان. وقف كايل ينظر إلى الباب المغلق طويلاً. ثم نظر إلى الكتاب الجديد في يده.
جيسيكا ابتسمت:
· يبدو أنك وجدت صديقًا.
· لا أعرف. ربما.
· نيون سعيد.
· نيون سعيد دائمًا.
· لكن هذه المرة مختلفة. أنا أعرف.
نظر كايل إليها:
· هل تثقين به؟
· لا أعرفه جيدًا. لكني أثق في حكمي على الناس. وهذا الرجل... عيناه صادقتان.
· عيون الناس تخدع أحيانًا.
· ليس دائمًا. وأنا أجيد القراءة.
صمت كايل، ثم جلس على سريره وفتح الكتاب الجديد. بدأ يقرأ.
في الخارج، كان القمر بدرًا، يضيء سماء الأكاديمية بنور فضي. وفي غرفة صغيرة في آخر الممر، كان شاب مقنع يقرأ كتابًا أهداه له صديق جديد، ولأول مرة منذ سنوات، يشعر بأن العالم قد لا يكون مكانًا سيئًا تمامًا.
---
في نفس الليلة... غرفة ليام
كان ليام جالسًا مع أصدقائه، يناقشون أحداث اليوم. الغرفة واسعة، مفروشة ببساطة، لكنها تعكس شخصية صاحبها: منظمة، حادة، مع كتب عن القتال مكدسة في الزاوية.
قال مارك:
· هل رأيتم المجموعة الثالثة؟ كيف حصلوا على عشرة كاملة؟! نحن صمدنا ثماني دقائق مع غارث، وهم فقط حركوا حجرًا!
توماس:
· المحسوبية واضحة. لأن أخته معه، أعطوهم الدرجة كاملة. مالدوف عجوز، ربما خاف من جيسيكا!
نورا هزت رأسها:
· أنا لا أعتقد. مالدوف لا يخاف من أحد. سمعت أنه واجه شياطين في شبابه.
ليام قاطعهم:
· لا يهم كيف حصلوا عليها. المهم أننا سنثبت في الاختبارات القادمة أننا الأقوى.
نظرت نورا إليه:
· ليام، هل تفكر فيما قالته ميرانا؟ عن القيادة والعقل؟
· ميرانا تحاول حماية ابن عائلتها. كايل كوستراف من عائلة كوستراف الغامضة، هي تفضلهم.
· لكنه أظهر ذكاءً حقيقيًا اليوم.
· ذكاءً؟! هو فقط قرأ كتبًا! أي شخص يستطيع قراءة الكتب!
نظرت إليه نورا بعيون حزينة:
· ليام... أنت تغار منه.
صمت ليام. ثم انفجر:
· أغار؟! من شخص عاجز عن إطلاق كرة نارية؟! أنت تمزحين!
· تغار لأنه فعل شيئًا لم تستطع فعله: قاد مجموعة بفكره، ليس بقوته.
وقفت نورا:
· أنا ذاهبة إلى غرفتي. تصبح على خير.
تركت ليام واقفًا مكانه، وجهه أحمر من الغضب. لكن في داخله، كان الصوت الصغير يهمس مجددًا: "ماذا لو كانت محقة؟ ماذا لو كنت تغار حقًا؟"
جلس على سريره، وأخذ نفسًا عميقًا. ثم فتح كتابًا عن القتال، وحاول القراءة. لكن الكلمات كانت تتشابك أمام عينيه. كانت عينا كايل من خلف القناع تطارده.
أغلق الكتاب بعنف:
· غدًا. غدًا سأنسى هذا الهراء.
لكنه لم يصدق نفسه.
---
يتبع... الفصل السابع: تحذيرات جيسيكا
