الفصل الثامن: مواجهة الطلاب
بعد ثلاثة أيام من كلمة جيسيكا...
كان الجو في أكاديمية ميلوري هادئًا لكنه مشحون بالتوتر. كلمة جيسيكا تركت أثرًا عميقًا في نفوس الطلاب، وكأنها زرعت بذورًا لا يعرف أحد ما الذي سينبت منها. بعضهم شعر بالخوف، وبعضهم شعر بالاحترام، وبعضهم الآخر شعر بالغضب المكبوت الذي يبحث عن منفذ.
في الممرات، كانت الهمسات لا تتوقف. الطلاب يتناقلون الأخبار، يحللون الأحداث، يبنون نظرياتهم الخاصة عن الأخوين كوستراف. لكن معظمهم كانوا حذرين، لا يقتربون، لا يسألون، فقط يراقبون من بعيد.
في ساحة التدريب، كانت المجموعات تتدرب كالمعتاد. كايل وجيسيكا في زاويتهما المعتادة، يؤدون تمارينهما بصمت وتركيز. أليان، كما اعتاد، يقترب منهما بين الحين والآخر، وكأنه يحاول بناء جسر من الثقة مع هذا الثنائي الغامض. لم يكن خائفًا مثل الآخرين، ولم يكن فضوليًا بشكل مزعج، فقط كان هناك، متاحًا، جاهزًا للمساعدة إذا احتاجاها.
لكن في الجانب الآخر من الأكاديمية، خلف المباني القديمة حيث الظلال أطول والأضواء أضعف، كانت هناك مجموعة مختلفة تمامًا.
---
تجمّع الظل
خلف أحد الأبنية المهجورة، ذلك البناء الذي يعود لألف عام مضت وكان مهجعًا للطلاب في العصور الغابرة، تجمّع سبعة طلاب من مختلف الفئات. كانوا يهمسون بصوت منخفض، يتفقدون محيطهم بين الحين والآخر، وكأنهم يخططون لشيء لا يجب أن يعرفه أحد.
البناء كان مهجورًا حقًا. جدرانه متشققة، والنباتات المتسلقة تغطي واجهته، ونوافذه مغطاة بالغبار والأوساخ. لكنه كان مكانًا مثاليًا للاجتماعات السرية. لا أحد يأتي إلى هنا، ولا أحد يراقب. المكان كان يهمس بالأسرار القديمة، وكأنه كان شاهدًا على مؤامرات لا تعد ولا تحصى عبر القرون.
في المقدمة وقف شاب طويل القامة، بعيون سوداء باردة كالشتاء، وشعر أشقر قصير يغطي جبينه المتجهم. كان يرتدي زيّ الأكاديمية الرسمي، لكنه كان مختلفًا في تفاصيله الصغيرة: قصة الياقة، طريقة ارتداء العباءة، وحتى الحزام الذي يحيط خصره. كلها كانت تشير إلى أنه ليس طالبًا عاديًا.
على صدره، كان شعار عائلته: فالترن، تلك العائلة الغامضة المعروفة بقدراتها في التخفي والمراقبة. عائلة لا تتحدث عن نفسها كثيرًا، لكن الجميع يعرف أنها تراقب كل شيء.
هذا هو زيريان فالترن، أحد أفراد نخبة النخبة. لم يكن في السنة الأولى مثل كايل، بل في السنة الثانية، لكنه كان يتمتع بنفوذ يفوق سنواته. شهرته لم تأتِ من القوة فقط، بل من الذكاء الحاد والقدرة على التخطيط كشطرنجي محترف. كان يراقب، يحلل، يخطط، ثم يضرب في الوقت المناسب.
قال بصوت هادئ، يكاد يكون همسًا لكنه كان واضحًا كالبلور في صمت المكان:
· الاجتماع السري اليوم له هدف واحد: كايل كوستراف.
نظر إلى الحاضرين واحدًا تلو الآخر، يتأمل ردود أفعالهم، يقرأ ما في عيونهم:
· هذا الشخص يشكل خطرًا على توازن الأكاديمية. قوته غير معروفة، أصوله غامضة، وأخته تهدد الطلاب علنًا. لا يمكننا السكوت.
أحد الحاضرين، وهو كازيان دراكو من عائلة دراكو المعروفة بقدراتها النارية الهائلة، كان جالسًا على حجر مكسور، ذراعاه متقاطعتان. قال بصوت أجش، يشبه زئير النار أكثر من صوت الإنسان:
· وما الذي تريد فعله؟ مواجهته مباشرة؟ رأينا ما حدث مع ليام. ذلك الأحمق كاد أن يقتل لو لم تتدخل أخته. وهو كان واقفًا هناك يتحدى، فكيف بنا إذا خططنا لشيء أكبر؟
· ليام كان غبيًا. واجهه بدون خطة، بدون دعم، بدون تفكير. نحن سنكون أذكى. سنستخدم ما تعلمناه من عائلاتنا: التخطيط، الانتظار، والضربة في الوقت المناسب. الفارق بين النمر والفأر ليس القوة فقط، بل الصبر.
فتح زيريان خريطة صغيرة للأكاديمية. كانت مرسومة بدقة متناهية، تظهر كل ممر، كل قاعة، كل باب، كل مخرج سري. رسمها بنفسه بعد أسابيع من المراقبة والتحليل.
· هناك اختبار قتالي بعد أسبوع. الفرق تتشكل عشوائيًا، لكن يمكننا التلاعب بالقرعة قليلاً. لدي أصدقاء في إدارة السجلات. إذا اجتمعنا في فريق واحد، وواجهنا فريق كايل...
· لكن جيسيكا معه! قاطعته لينا كرافيل، التي كانت حاضرة رغم تحفظها الواضح. كانت تجلس في الظل، بعيدة قليلاً عن الآخرين، وكأنها غير راغبة في أن تكون هنا. كانت من عائلة كرافيل القتالية، لكنها كانت مختلفة عن أبناء عمومتها. أكثر هدوءًا، أكثر تفكيرًا، وأقل قسوة. عيناها كانتا تلمعان بذكاء، لكن فيهما أيضًا حزن عميق لم تفهمه بعد.
نظر إليها زيريان:
· جيسيكا خطيرة، أعرف. سمعتها تجري في الأكاديمية بأكملها. لكنها بشرية. لها حدود. لا يمكنها أن تكون في كل مكان في نفس الوقت. إذا ركزنا على كايل، قد تضطر للدفاع عنه بدلاً من الهجوم، مما يحد من قدراتها. وهي واضحة في دفاعها عنه، وهذا نقطة ضعف يمكن استغلالها.
· وماذا عن أليان فالون؟ إنه يدافع عنه دائمًا. رأيته في اختبار التحمل، وفي التدريبات، يقف إلى جانبه كالحارس الأمين.
ابتسم زيريان ابتسامة باردة، ابتسامة من لا يعرف الرحمة، ابتسامة من خطط لكل شيء قبل أن يتكلم:
· أليان... أليان لديه نقاط ضعف مثل أي إنسان. عائلته فالون معروفة بحكمتها وعدالتها. وهذا يعني أنه لن يتوقع الخيانة. في الحرب، أكثر الأماكن أمانًا هو ظهر رفيقك. وأكثر الأماكن خطرًا هو ظهر صديق تخونه.
نظر إلى الجميع، عيناه تلمعان في الظلام كعيون ذئب تراقب فريستها:
· الهدف ليس قتل كايل. القتل يجلب المتاعب، والتحقيقات، وغضب الأكاديمية. الهدف هو إثبات أنه ليس بتلك القوة. إظهار ضعفه أمام الجميع. عندما يراه الطلاب ينهار، عندما يرون الدم يسيل من تحت قناعه، عندما يسمعون صراخه وهو يحاول الدفاع عن نفسه... سينكسر هيبة الخوف التي زرعتها أخته. سيعرف الجميع أنه مجرد بشر، يمكن إيذاؤه، يمكن هزيمته، يمكن كسره.
صمت الجميع. الخطة كانت خطيرة، كانت قاسية، لكنها قد تنجح.
كازيان دراكو، الذي كان صامتًا حتى الآن، قال بصوت خافت:
· وماذا لو كانت قوته حقيقية؟ ماذا لو كان ما تقوله أخته صحيحًا؟ ماذا لو لم يكن هناك ضعف؟
نظر إليه زيريان نظرة ازدراء، كأنه يسأل سؤالًا غبيًا:
· إذن سنكون أول من يختبرها. وهذا أفضل. الأفضل أن نعرف الآن، قبل أن تتفاقم الأمور. المعرفة سلاح، والجهل موت. نحن من عائلات النخبة، نعرف ذلك جيدًا.
انفض الاجتماع، واختفى الأعضاء واحدًا تلو الآخر في ظلال المساء، تاركين البناء المهجور لوحشته وصمته.
---
في غرفة كايل... مساءً
كان كايل جالسًا على سريره، كتابه المفضل في حضنه. كان يقرأ عن "نظرية الأبعاد الموازية وتأثيرها على الواقع الملموس"، كتاب معقد، مليء بالمعادلات والنظريات التي تجعل معظم الطلاب ينامون بعد الصفحة الأولى. لكنه كان يستمتع بكل كلمة فيه، وكأنه يجد فيها إجابات لأسئلة كان يحملها منذ سنوات.
جيسيكا كانت ترتب بعض الأوراق على المكتب الصغير. تلك الأوراق كانت ملاحظاتها عن الطلاب، عن الأساتذة، عن الأكاديمية بأكملها. كانت تسجل كل شيء، تحلل كل شيء، تستعد لكل شيء. لم تكن تثق بأحد بسهولة، وكانت تعرف أن المعرفة سلاح.
فجأة، شعر كايل بانزعاج غريب. شيء ما في الهواء تغير. ليس صوتًا، ليس رائحة، ليس ضوءًا. بل إحساسًا داخليًا عميقًا، كأن شخصًا ما وضع يده الباردة على قلبه من بعيد.
نظر إلى جيسيكا، وفي صوته نبرة لم يسمعها من قبل:
· هناك شيء خاطئ.
رفعت رأسها بسرعة، عيناها الحمراوان تلمعان في ضوء الشمع الخافت. وضعت الورقة التي كانت تمسك بها على الطاولة، ووقفت متجهة نحوه:
· ماذا تقصد؟
· لا أعرف. فقط... إحساس. كأن هناك عيونًا تراقبنا. كأن هناك همسات في الظلام. كأن هناك شيئًا يتحرك حيث لا نراه.
جلس كايل في سريره، وأغلق عينيه. ركز على الوعي الداخلي، على الشخصيات التي تسكنه. هناك، في الأعماق، كان نيون يتحرك بقلق، كأنه يشم رائحة خطر قديم.
همس نيون بصوت خائف، مختلف تمامًا عن مرحه المعتاد. كان صوته كطفل يرتجف في ليلة باردة:
· كايل... هناك أناس يتحدثون عنا. أناس بقلوب سوداء. أسمعهم في أحلامي، أراهم في كوابيسي. يخططون، يرسمون، يعدون... أسمع ضحكاتهم الباردة.
· من هم؟
· لا أعرف أسمائهم. لا أعرف وجوههم. لكني أشعر بهم. يشبهون الذين كانوا في القبو. يشبهون أولئك الذين عذبونا. نفس الرائحة الباردة، نفس البرودة القاتلة، نفس الظلام الذي لا ينتهي.
فتح كايل عينيه. كان وجهه شاحبًا تحت القناع. الذين في القبو؟ يعني يشبهون أفراد عائلة كوستراف الذين عذبوه لسنوات؟ هذا يعني خطرًا حقيقيًا، ليس مجرد منافسة طلابية، ولا مجرد كلمات جارحة. هذا يعني شيئًا آخر. شيئًا أعمق.
قال لجيسيكا بصوت هادئ، لكن فيه رعشة خفيفة كادت تخون تماسكه:
· هناك مجموعة من الطلاب يخططون لشيء ضدنا.
· كيف تعرف؟
· نيون يشعر بهم. يقول إنهم يشبهون... يشبهون أولئك.
صمتت جيسيكا. لم تسأل "أولئك من؟" لأنها كانت تعرف. عرفت منذ اللحظة الأولى. أولئك الذين عذبوا كايل لسنوات. أولئك الذين جعلوه ما هو عليه الآن. أولئك الذين قتلوا أمه أمام عينيه وهو في الثانية من عمره. أولئك الذين جعلوا طفولته جحيمًا لا ينتهي.
اقتربت منه، جلست بجانبه على السرير، وضعت يدها على كتفه. لمسة دافئة في ليلة باردة:
· سنكون مستعدين. كما كنا دائمًا. كل مرة حاولوا إيذاءك، كنا هناك. كل مرة حاولوا كسرك، بقيت صامدًا. هذه المرة لن تكون مختلفة.
· لكن هؤلاء ليسوا مثل أولئك. هؤلاء طلاب، في أكاديمية، تحت أنظار الأساتذة. لا يمكننا...
· يمكننا. سنكون أذكى منهم. سنراقبهم، نحللهم، نعرف خططهم قبل أن ينفذوها. ثم نختار وقت الرد. ليس لأننا أقوى، بل لأننا أكثر صبرًا.
نظر إليها كايل، وفي عينيه سؤال لم ينطق به:
· وماذا لو كانوا أقوى مما نتوقع؟
ابتسمت جيسيكا ابتسامة نادرة، ابتسامة لم يرها إلا في أصعب اللحظات:
· أقوى منك؟ مستحيل. أنت لا تعرف كم أنت قوي يا كايل. ليس بقدراتك، ليس بإيركان، ليس بشخصياتك. أنت قوي لأنك ما زلت هنا. لأنك لم تستسلم. لأنك كل صباح تختار النهوض رغم أن كل شيء يهمس لك أن تبقى نائمًا.
في الظلام، شعر كايل بشيء من الأمان. مع جيسيكا، كان دائمًا يشعر بالأمان. هي الوحيدة التي جعلته يشعر بأنه ليس وحيدًا في هذا العالم.
---
في اليوم التالي... قاعة المحاضرات
كانت القاعة ممتلئة كالعادة. الطلاب يتهامسون، يتبادلون النظرات، ينقلون الأخبار. الخبر كان قد انتشر كالنار في الهشيم: اليوم ستُعلن نتائج القرعة للاختبار القتالي الكبير.
على المنصة، وقفت البروفيسورة ميرانا. كانت ترتدي ثيابها الرسمية السوداء، وشعرها الرمادي مربوط للخلف بإحكام. في يديها لفافة زرقاء تتوهج بنور خافت، وكأنها تحمل بين طياتها مصير الطلاب.
رفعت يدها، وبدأت تتحدث بصوتها الجاف الذي لا يحتمل الجدال:
· بعد أربعة أيام، سيكون هناك اختبار قتالي شامل. الفرق ستتشكل بالقرعة العلنية، كما وعدناكم. كل فريق من خمسة أفراد. ستواجهون خصومًا من طلاب السنة العليا، لهم خبرات تفوقكم بسنوات. الهدف هو الصمود والتعاون، وليس الفوز فقط. لأن في المعركة الحقيقية، البقاء هو الانتصار الأول.
رفعت يدها، واللفافة انفتحت في الهواء وكأنها سحر حي. الأسماء بدأت تظهر على اللوحة السحرية الكبيرة واحدًا تلو الآخر، مكتوبة بخط ذهبي متوهج:
المجموعة الأولى: ليام فالون، نورا تيراس، توماس كروسان، مارك فينتراس، ديلان فينتراس.
المجموعة الثانية: أليان فالون، لينا كرافيل، كاريون ميرفي، إيلا كريستال، رايلون تيرمون.
المجموعة الثالثة: كايل كوستراف، جيسيكا كوستراف، فينول تيراس، زوريل كروكس، وزيريان فالترن.
توقف كايل للحظة. زيريان فالترن؟ اسم لم يسمعه من قبل. لم يتحدث معه، لم يره في التدريبات، لم يعرف عنه شيئًا. نظر إلى جيسيكا، فرأى عينيها تضيقان بحذر، ذلك التعبير الذي لا يظهر إلا في لحظات الخطر الحقيقي. تعرفتهما منذ الطفولة.
المجموعة الرابعة: ريان دومين، كاليان ميرفين، أوريكس كرافيل، ديمير دارلان، كازيان دراكو.
واكتملت الفرق. عشر مجموعات، خمسون طالبًا، كلهم سيواجهون اختبارًا قد يغير مسارهم في الأكاديمية.
كايل نظر إلى جيسيكا، هي نظرت إليه. كلاهما شعر أن هناك شيئًا مريبًا في هذا التوزيع. زيريان فالترن في مجموعتهما؟ كازيان دراكو في المجموعة الرابعة؟ وهما من نفس المجموعة السرية التي شعر بها نيون؟
همس نيون في داخله، بصوت خافت كأنه يخشى أن يسمعه أحد:
· كايل... ذلك الرجل... زيريان... هو أحدهم. هو ممن كانوا في الظل. أتذكر رائحتهم الباردة؟ أتذكر شعور الخطر عندما كانوا يقتربون؟ إنه هو.
· متأكد؟
· متأكد. رائحته نفس الرائحة. باردة، سوداء، خطيرة. ليست رائحة جسد، بل رائحة روح. رائحة من يخطط للشر في صمت.
أخذ كايل نفسًا عميقًا. إذن بدأت اللعبة.
---
بعد القرعة... في ممرات الأكاديمية
كانت الممرات مزدحمة بالطلاب المندفعين نحو قاعاتهم. الأصوات تعلو، الخطوات تتسارع، والكل يريد الوصول إلى وجهته قبل الجرس.
في وسط الزحام، ظهر زيريان كأنه من العدم. اقترب من كايل وجيسيكا بابتسامة مصطنعة، ابتسامة لا تصل إلى العينين، ابتسامة ترسمها الشفاه لكن العيون تبقى باردة كالجليد:
· يبدو أننا في فريق واحد. تشرفت بالعمل معكما. سيكون شرفًا لي أن أتعلم منكما. شهرتكما تسبقكما، والجميع يتحدث عن قوتكما.
جيسيكا نظرت إليه ببرود جليدي، نظرة جعلت بعض الطلاب المارين يبتعدون دون أن يدروا لماذا:
· التشرف سيكون من نصيب من يستحقه.
· آه، لا تزالين متشككة بعد كلمتك القوية. أنا أفهم تمامًا. الأيام الماضية كانت صعبة على الجميع. أحداث كثيرة، تغيرات سريعة، قلوب مضطربة. لكني هنا لأتعاون، لا لأتنافس. أعتقد أننا معًا يمكننا تحقيق نتائج عظيمة في الاختبار. خبراتي في السنة الثانية قد تفيد المجموعة.
· هذا جيد. لأن التنافس معنا قد يكون آخر ما تفعله.
ابتسامة زيريان تجمدت للحظة، لكنه سرعان ما استعاد توازنه. كان ماهرًا في إخفاء مشاعره:
· سنرى. على كل حال، سأكون في قاعة التدريب رقم سبعة إذا أردتم مناقشة الخطة. أحضرت بعض الملاحظات عن خصوم السنة العليا، قد تكون مفيدة.
ابتعد، مختفيًا في زحام الطلاب كأنه لم يكن هناك.
وقف كايل ينظر إليه، وشعر بشيء غريب يتسلل إلى روحه. هذا الرجل يشبههم. يشبه أولئك الذين عذبوه. نفس النظرة الحادة التي تزنك وتقيمك. نفس الابتسامة الباردة التي تعد بالخير وتخبئ الشر. نفس الثقة الزائدة التي لا تليق ببشر، وكأنه يعرف شيئًا لا تعرفه أنت.
همس نيون بصوت حزين:
· كايل... أنا لا أحبه. لا أحبه أبدًا. قلبي الصغير يخاف منه.
· أنا أيضًا لا أحبه.
· ماذا نفعل؟
· ننتظر ونرى. ونكون مستعدين. كما تقول جيسيكا دائمًا: الاستعداد نصف المعركة.
---
اجتماع تحضيري للمجموعة الثالثة
اجتمعت المجموعة في إحدى قاعات التدريب الصغيرة. تلك القاعة رقم سبعة، المعروفة بجدرانها الصفراء المتقشرة وإضاءتها الخافتة التي تجعل الظلال تطول. كان الجو متوترًا، يكاد يقطع بالسكين.
فينول وزوريل كانا قلقين واضحين. جلسا على مقعد خشبي قديم، ينظران إلى كايل وجيسيكا ثم إلى زيريان، وكأنهم في غرفة انتظار الجلاد.
فينول، ذلك الشاب البسيط من عائلة تيراس، كان ينظر إلى كايل بإعجاب وخوف في نفس الوقت. بعد أن قادهم للنجاح في اختبار التحمل، أصبح يراه كبطل، لكنه كان أيضًا يخاف من أن يخيب أمله.
زوريل، الحرفي من عائلة كروكس، كان يحاول فهم ما يحدث حوله بعقليته العملية. كان ينظر إلى كايل، ثم إلى جيسيكا، ثم إلى زيريان، ويحاول قياس قوتهم كما يقيس أبعاد قطعة خشب.
وزيريان كان يجلس في الجهة المقابلة، يحاول الظهور بمظهر المتعاون المخلص، يبتسم هنا وهناك، يوزع النظرات الدافئة المصطنعة. كان يحمل دفتر ملاحظات صغيرًا، وكأنه يريد إظهار أنه مستعد ومجتهد.
قال زيريان بصوت الواثق من نفسه، مبتسمًا ابتسامة عريضة:
· أقترح أن نوزع الأدوار بطريقة ذكية. أنا وجيسيكا في الهجوم، كايل في التخطيط والتوجيه كما أثبت جدارته في اختبار التحمل، فينول وزوريل في الدعم والدفاع. بهذه الطريقة نستغل نقاط قوتنا جميعًا.
جيسيكا نظرت إليه بدون أن ترمش، وكأنها تحاول قراءة ما وراء عينيه:
· ومن قرر أنك في الهجوم؟
· أنا الأقوى بعدك. هذا منطقي. عائلتي فالترن معروفة بقدراتها القتالية الخفية. أجدادي قاتلوا في حروب كثيرة، واسمنا مرادف للقوة في الظل.
· المنطق ليس دائمًا ما يبدو. وأنا لا أتذكر أنني طلبت منك تقييم قوتك.
زيريان ابتسم، لكن الابتسامة كانت متوترة. كان واضحًا أنه لم يعتد على أحد يرد عليه بهذه الطريقة:
· حسنًا، اقترحي أنتِ. أنا مرن. أستطيع التكيف مع أي خطة.
وقفت جيسيكا، ونظرت إلى كل فرد في المجموعة واحدة تلو الأخرى. عيناها الحمراوان كانتا تلمعان في الضوء الخافت:
· سنعمل كشبكة متكاملة. ليس هناك هجوم منفصل عن دفاع. كلنا ندعم كلنا. كايل يخطط، ونحن ننفذ. فينول وزوريل ليسا مجرد دعم، هما جزء أساسي من الخطة. كل فرد في هذه المجموعة له قيمة.
ثم نظرت إلى زيريان نظرة طويلة، عميقة، كأنها تحاول أن ترى روحه:
· وأنت... ستكون حيث أضعك. لا أكثر ولا أقل. هذه ليست ديكتاتورية، هذه استراتيجية. كل فرد في مكانه المناسب.
صمت زيريان للحظة. يمكن للمراقب الحاد أن يرى بريقًا غاضبًا في عينيه، تومض ثم تختفي كالبرق. لكنه أخفاه بسرعة، وكأنه يتدرب على إخفاء مشاعره منذ سنوات:
· كايل يخطط؟ هو لم يظهر أي قدرة قتالية تذكر. كيف سيقودنا في معركة حقيقية؟ القتال ليس كتبًا ونظريات.
· التخطيط ليس قدرة قتالية. إنها قدرة عقلية. وقد أثبتها في اختبار التحمل. في المعركة، العقل يقود العضلات. والقلب يقود العقل. وأنت إن كنت من عائلة فالترن، يجب أن تعرف ذلك.
زيريان صمت. الكلمة الأخيرة كانت قاسية، لأن عائلته كانت معروفة بالذكاء والمكر، وليس فقط القوة. وكان يعرف أنها محقة.
بعد لحظات، قال بصوت هادئ، وكأنه يبتلع كبرياءه مع كل كلمة:
· حسنًا. جربناها بطريقتك. أتمنى أن تنجح.
لكن في داخله، كان يخطط لشيء آخر. ابتسامته الباردة عادت، وهذه المرة كانت أكثر عمقًا، أكثر مكرًا.
---
في ساحة التدريب... بعد الاجتماع
بعد انتهاء الاجتماع، خرج الجميع. بقي كايل وجيسيكا في القاعة لبعض الوقت. جلسا على المقاعد الخشبية، يتنفسان بهدوء.
قالت جيسيكا بصوت منخفض، وكأنها تخشى أن الجدران لها آذان:
· زيريان خطير. رأيت عينيه عندما تحدثت معه. فيه غضب دفين، وطموح أعمى، وكبرياء جريح. هذا النوع من الناس هو الأخطر. ليس لأنهم أقوياء، بل لأنهم لا يتوقعون الهزيمة.
· أعرف. نيون يشعر به منذ البداية. يقول إن روحه سوداء، كأنها مغطاة بالقطران.
· سيحاول شيئًا في الاختبار. ربما يخوننا، ربما يتسبب في فشلنا، ربما يحاول إيذاءك بشكل مباشر. هذا النوع لا يكتفي بالفشل، يريد أن يراك تتدحرج في الوحل.
· أعرف.
· إذن ماذا سنفعل؟
نظر إليها كايل، وخلف قناعه، كانت عيناه تلمعان بذكاء نادر، ذكاء ولد من الألم والمعاناة:
· سنستخدم خطته ضده.
· كيف؟
· هو يخطط لاستخدامنا كأدوات ليثبت ضعفي. يريد أن أظهر عاجزًا، فينهار هيبتي. لكن يمكننا قلب الطاولة. إذا خاننا، سنظهر خيانته أمام الجميع. إذا حاول إيذائي، سنظهر أنه من بدأ، وسندافع عن أنفسنا بشكل مشروع. ليس لأننا نريد الانتقام، بل لأننا نريد أن نعلمه درسًا: لا يعبث بمن لا يعرف.
· وماذا لو كان أقوى مما نتوقع؟
ابتسم كايل تحت قناعه، ابتسامة واثقة رغم كل شيء:
· لدينا ما هو أقوى من القوة. لدينا ما تعلمناه في القبو. هناك، لم تكن القوة هي ما يبقيك على قيد الحياة. كان الذكاء، والصبر، والقدرة على قراءة الآخرين. هناك تعلمت أن أضعف إنسان يمكنه هزيمة أقوى عدو إذا عرف نقطة ضعفه.
نظرت إليه جيسيكا بإعجاب، وفي عينيها فخر لم تخفيه:
· أنت تفكر كقائد حقيقي.
· أنا فقط أقرأ كتبًا كثيرة.
· الكتب تعطيك معرفة. لكن الخبرة تعطيك حكمة. وأنت تملك الاثنين. لهذا أنت أقوى مما تتصور، يا أخي.
في صمت المساء، وقف الأخوان يتأملان السماء المظلمة من نافذة القاعة الصغيرة. غدًا يوم آخر. وبعد أربعة أيام، سيكون الاختبار. وكانا مستعدين.
---
ليلة ما قبل الاختبار... غرفة زيريان
كان زيريان جالسًا في غرفته الفاخرة. المفروشات كانت ثمينة، الألوان داكنة، الأضواء خافتة. تعكس ثراء عائلة فالترن، وتعكس أيضًا شخصية صاحبها: غامضة، باردة، منظمة.
كازيان دراكو كان جالسًا على الكرسي المقابل، يشرب كأسًا من النبيذ الداكن.
قال كازيان:
· جيسيكا شككت فيك. ستكون حذرة.
· أعرف. هذا متوقع من شخص بمستواها. لو لم تشك، لكانت غبية. لكن هذا جزء من خطتي. كلما زاد شكها، زاد تركيزها عليَّ، وقل تركيزها على كايل.
· وماذا عن كايل نفسه؟ هل هو خطير حقًا؟ أم مجرد قشرة فارغة كما يحاول البعض تصويره؟
نظر زيريان إلى السقف، إلى الظلال المتمايلة:
· لا أعرف. هذا ما نحاول اكتشافه. غدًا سنرى الحقيقة. إذا كان ضعيفًا، سنكشفه أمام الجميع، وستنهار هيبته إلى الأبد. إذا كان قويًا...
· إذا كان قويًا؟
ابتسم زيريان ابتسامة باردة، ابتسامة من يخطط للخطة باء قبل أن يبدأ الخطة ألف:
· إذا كان قويًا، فسنكون أول من يعترف بقوته. ونغير خطتنا وفقًا لذلك. المرونة سر البقاء، يا كازيان. من يتمسك بخطة واحدة يموت عندما تفشل.
نظر كازيان إلى صديقه القديم:
· أنت دائمًا تخطط لكل شيء.
· لأن الفوضى تخيفني. والنظام... النظام هو ما يجعلني أشعر بالأمان. كل شيء في مكانه، كل شيء تحت السيطرة، كل شيء معروف مسبقًا. هذا هو السلام الحقيقي.
في الظلام، كان القمر يطلع ببطء، يضيء السماء بنور فضي بارد. وفي مكان بعيد، في غرفة صغيرة في آخر الممر، كان كايل يقرأ كتابه بهدوء، وجيسيكا تراقب القمر من النافذة، ونيون يهمس في الأعماق بصوت طفل خائف لكنه واثق:
· غدًا... غدًا سنرى. لا تخف يا كايل. أنا معك. نحن جميعًا معك.
---
