Cherreads

Chapter 3 - الفصل الثالث: سلطة القانون الأعلى

الفصل الثالث: سلطة القانون الأعلى

صباح اليوم التالي... في أكاديمية ميلوري

كان الفجر يتسلل بخجل عبر نافذة غرفة كايل الصغيرة. لم تكن زنزانة تحت الأرض كما تخيل البعض، بل غرفة بسيطة في أحد أجنحة الأكاديمية، مثلها مثل غرف الطلاب الآخرين. لكن الفرق الوحيد كان في موقعها: في آخر الممر، بعيدًا عن الجميع، وكأن الأكاديمية نفسها قررت أن تمنحه العزلة التي يرغب بها.

سرير حجري بسيط، مكتب صغير مكدس بالكتب، وخزانة قديمة. هذا كل ما يملكه كايل كوستراف في هذه الدنيا.

استيقظ على ضوء الفجر يتسلل تحت باب الغرفة. جلس على سريره، نظر إلى قفازيه الأسودين الموضوعين بجانبه، ثم إلى قناعه الأجوف على المكتب. تنهد بعمق.

من داخله، جاء صوت نيون هادئًا، ناعسًا:

· صباح الخير يا كايل...

· صباح النور. كيف نمت؟

· بخير. لأول مرة منذ زمن... نمت بخير.

· هذا جيد.

· كايل... هل سنرى جيسيكا اليوم؟

· نعم. اليوم أول يوم دراسي حقيقي.

· أنا خائف. ماذا لو ظهرت بشكل مفاجئ وأحرجتك؟

· لا تظهر. هذا ما تفعله دائمًا.

ضحك نيون ضحكة خفيفة:

· صحيح. لكني سأحاول.

· حاول فقط. أنا هنا.

نهض كايل، ارتدى قفازيه الأسودين بحركات معتادة، ثم ثبت قناعه الأجوف على وجهه. نظر إلى المرآة الصغيرة المعلقة على الجدار، رأى انعكاس قناعه الأبيض الخالي من الملامح. همس:

· يوم جديد... آمال جديدة... أوهام جديدة.

---

قاعة المحاضرات الكبرى...

كان الطلاب يتجمعون في مجموعات صغيرة، يتهامسون، يتبادلون النظرات. الأمس كان يومًا استثنائيًا بكل المقاييس، والجميع كان لديه روايته الخاصة عما حدث.

في إحدى الزوايا، وقفت مجموعة من الطلاب يتناقشون بحماس. كان من بينهم ليام، طالب بشعر أشقر وعيون زرقاء، ينتمي لعائلة متوسطة الحال.

قال ليام بصوت عالٍ:

· أنا لا أصدق كلمة مما يقال! مجنون يحقق الأمنيات؟ طالب يختفي ويعود بعد مليون سنة؟ هذه قصص تقال ليلاً لتخويف الأطفال!

نظر إليه زميله مارك باستغراب:

· لكننا رأيناه بأعيننا! لقد اختفى الطالب وعاد وهو لا يعرف من هو!

· رأيتم شيئًا، هذا صحيح. لكن التفسيرات... هذه مبالغات! مليون سنة؟ كيف لإنسان أن يعيش مليون سنة؟! أنا أقول إنه سحر خادع، نوع من الوهم الجماعي.

ضحك بعض الطلاب معه، لكن الآخرين نظروا إليه بشك.

قالت إيلا، حفيدة أقوى السحرة، بهدوء:

· ليام، أنت لم تكن هنا الأمس. لا يمكنك الحكم على شيء لم تره.

· صحيح، لم أكن هنا! كنت مريضًا في غرفتي. لكن هذا يجعلني أكثر موضوعية! أنتم متأثرون بما رأيتم، أما أنا فأنظر للأمور بعقلية نقدية.

انضم إليهم طالب آخر اسمه توماس:

· وأنا أيضًا لم أحضر. سمعت أن الأمر كله كان تمثيلية! الأكاديمية تريد اختبار ردود فعلنا!

· بالضبط! صاح ليام. هذه أكاديمية سحرية، أكيد لديها طرق غريبة لاختبار الطلاب الجدد!

ضحك مجموعة منهم، وبدأت نظرية المؤامرة تنتشر بين من لم يحضروا الأحداث.

---

في الجهة الأخرى من القاعة، كانت مجموعة أخرى تروي ما رأت.

قالت لينا بصوت مرتجف:

· رأيته بعيني... نيون. قلب قلبه إلى فطيرة! ثم أخرج قلب الطالب! كان الدم... كان...

صديقتها نورا هزت رأسها:

· أنا لا أستطيع النوم منذ الأمس. كلما أغمضت عيني، أرى ذلك المشهد.

· هل تعتقدين أن كايل خطير؟

· كايل؟ لا أدري. لكن الذي خرج منه... ذلك نيون... كان مرعبًا بكل معنى الكلمة.

نظرت إلى المقعد الخلفي، حيث كان كايل يجلس في المرة السابقة. لكنه اليوم لم يكن هناك بعد.

---

فتح باب القاعة، ودخل الطلاب يتدفقون. وفجأة... صمت الجميع.

كايل دخل بهدوء، خطواته خفيفة كالقطط، لا صوت لها. سار في الممر بين الطلاب، والجميع يفسح له الطريق تلقائيًا، كأن وباءً يمشي بينهم.

من إحدى المجموعات، همس ليام بصوت منخفض لرفاقه:

· انظروا إليه... هل ترون أي وحش؟ يبدو لي إنسانًا عاديًا يختبئ خلف قناع.

زميله مارك همس:

· لكنهم قالوا إنه...

· قالوا! قالوا! الناس يقولون أشياء كثيرة. أنا أصدق ما أراه بعيني. وهو لا يفعل شيئًا الآن سوى المشي والجلوس.

جلس كايل في المقعد الخلفي، وحده كالعادة. نظر حوله، رأى المجموعات تتهامس، رأى النظرات المختلفة: خوف، فضول، كراهية، وشيء من... إنكار.

سمع بعض الهمسات:

· أنا متأكد أن الأمر كله مبالغ فيه...

· هو فقط يختبئ خلف قناع ليبدو غامضًا...

· لو كان قويًا حقًا، لأظهر قوته...

ابتسم كايل تحت قناعه ابتسامة مريرة. الإنكار أسهل من مواجهة الحقيقة. هو يعرف ذلك جيدًا.

---

فتح الباب مجددًا.

دخلت جيسيكا.

شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها، عيناها الحمراوان تلمعان بيقظة. زي الأكاديمية الرسمي البسيط لا يخفي هيبتها. مشت في الممر بثقة، لا تهتم للنظرات، لا تلتفت للهمسات. توقفت أمام كايل، وجلست بجانبه مباشرة.

صمت الجميع. الذين كانوا ينكرون الأمس، نظروا إليها بفضول. ليام همس:

· هذه أخته؟ تبدو عادية...

لكن نظرته تغيرت عندما التقت عيناه بعينيها للحظة. هناك شيء في تلك العيون الحمراء... شيء لا يمكن وصفه. تراجع بنظره سريعًا.

نظرت جيسيكا إلى كايل:

· صباح الخير.

· صباح النور. نامتِ جيدًا؟

· مثلك. قلقانة عليكما.

· لست وحدنا.

رفعت حاجبها باستغراب:

· ماذا تقصد؟

· هناك من ينكر ما حدث. من لم يحضروا الأمس، يروون قصصًا مختلفة.

نظرت جيسيكا حولها، رأت المجموعات تتهامس، ورأت ليام ورفاقه ينظرون إليهم بشك. لم تقل شيئًا، فقط عادت بصرها إلى الأمام.

---

فتح باب القاعة مجددًا، ودخلت مورغانا إيروزي، مديرة الأكاديمية. كانت تبدو أكثر هدوءًا من الأمس، لكن في عينيها كان هناك تقدير واحترام جديد تجاه المقعد الخلفي.

صعدت إلى المنصة، وقالت بصوتها الرنان:

· صباح الخير أيها الطلاب. اليوم سيبدأ أول درس حقيقي لكم في هذه الأكاديمية. درس... القوانين.

نظرت حولها، ثم أكملت:

· في هذا العالم، القوة وحدها لا تكفي. القوة دون ضوابط هي فوضى. والفوضى... تموت. لهذا، وضعت الأكاديمية قوانين صارمة. ومن يخالفها...

توقفت للحظة، ونظرت باتجاه كايل وجيسيكا:

· ... سيواجه العقاب. حتى لو كان الأقوى على وجه الأرض.

رفع ليام يده:

· سيدتي المديرة، هل يمكنني سؤال؟

· تفضل.

· ما حدث بالأمس... هل كان حقيقيًا؟ أم كان اختبارًا من الأكاديمية؟

نظرت إليه مورغانا نظرة طويلة، ثم قالت:

· أنت من الذين لم يحضروا الأمس، أليس كذلك؟

· نعم. كنت مريضًا.

· إذن أنت محظوظ. وما حدث... كان حقيقيًا جدًا. أكثر مما تتصور.

· لكن التفسيرات التي أسمعها... مليون سنة في دقيقة؟ هذا مستحيل حتى بالسحر!

ابتسمت مورغانا ابتسامة حزينة:

· أيها الشاب، هناك أشياء في هذا العالم تتجاوز فهمك. ليس لأنها مستحيلة، بل لأنك لم تختبرها بعد. كن شاكرًا على جهلك، فهو نعمة.

صمت ليام، لكن نظراته عادت إلى المقعد الخلفي. إلى كايل وجيسيكا.

بدأت مورغانا في شرح القوانين بالتفصيل: قوانين القتال، قوانين السحر، قوانين التحديات، قوانين العقوبات. كانت تتحدث بصوت المعلم الخبير، والطلاب ينصتون باهتمام.

لكن أنظار الكثيرين كانت موجهة نحو المقعد الخلفي. نحو كايل الذي يجلس بهدوء، وجيسيكا التي تراقب الجميع كالصقر.

---

بعد انتهاء المحاضرة، وقف الجميع للتوجه إلى القاعات الأخرى. كايل وجيسيكا وقفا أيضًا، وبدأوا بالسير نحو المخرج.

وفجأة... سمع صوت عالٍ من الخلف:

· انتظر!

التفت الجميع. كان ليام واقفًا، ينظر إلى كايل بتحدٍ.

قال ليام:

· أنت... كايل. أريد أن أسألك شيئًا.

توقف كايل. لم يلتفت، لكنه توقف.

تقدم ليام خطوة:

· كل هذه القصص عنك... عن قوتك... عن الجنون الذي خرج منك... أنا لا أصدقها. أنا أعتقد أنك مجرد مخادع يختبئ خلف قناع.

صمت الجميع. الهواء تجمد في المكان.

تابع ليام بصوت أعلى:

· إن كنت قويًا حقًا، أثبت لنا الآن! أظهر لنا ما لديك! لا تختبئ خلف أختك!

نظرت جيسيكا إلى كايل. كانت عيناها تقول: "لا تفعل شيئًا. دعه يتكلم."

لكن كايل لم يتحرك. لم يلتفت. فقط وقف مكانه، ظهره للجميع.

ضحك ليام:

· انظروا! إنه يخاف! الوحش العظيم يخاف من مواجهة طالب عادي!

بعض الطلاب ضحكوا، لكن ضحكاتهم كانت متوترة.

وفجأة... سمع صوت هادئ من بين الطلاب:

· هذا يكفي.

الجميع التفت نحو مصدر الصوت. كان أليان فالون، شاب وسيم بعيون ذكية وابتسامة هادئة. تقدم خطوة نحو ليام:

· ماذا تفعل بالضبط؟

· أنا... أنا فقط أثبت أنه مخادع!

· وهل هذا واجبك؟ هل كلفك أحد بهذا؟

تردد ليام:

· لا، لكن...

· إذن توقف. قبل أن تندم.

نظر ليام إلى أليان، ثم إلى كايل الصامت، ثم إلى جيسيكا التي كانت تراقب ببرود. تراجع خطوات:

· حسنًا... حسنًا... لكن هذا لم ينتهِ بعد.

ابتعد مسرعًا مع أصدقائه.

التفت أليان نحو كايل، وقال:

· أنا آسف من أجله. بعض الناس يحتاجون إلى وقت ليفهموا.

نظر كايل إلى أليان للحظة، ثم أومأ برأسه إيماءة صغيرة خفيفة. كان هذا كل شيء.

ثم أكمل طريقه مع جيسيكا نحو المخرج.

وقف أليان ينظر إليهما، وفي عينيه فضول عميق.

---

بعد دقائق... في ممر الأكاديمية

كان كايل وجيسيكا يسيران بصمت. ثم قالت جيسيكا:

· أليان فالون... يجب أن أتذكر هذا الاسم.

· لماذا؟

· لأنه أول طالب يدافع عنك دون أن يطلب منا شيئًا.

صمت كايل للحظة، ثم قال:

· ربما ليس كلهم سيئين.

· ربما.

نظرت إليه:

· كيف تشعر؟

· متعب. لكن... بخير.

· نيون؟

· نائم. اليوم كان هادئًا.

· هذا جيد.

توقفت جيسيكا فجأة:

· كايل... أنا فخورة بك.

رفع رأسه باستغراب:

· لماذا؟

· لأنك لم ترد على استفزازه. لأنك سيطرت على نفسك. هذا أصعب من أي قتال.

نظر كايل إلى يديه المغلفتين بالقفازين الأسودين. همس:

· ليس دائمًا أستطيع.

· لكنك اليوم استطعت. وهذا يكفي.

---

في المساء... غرفة كايل

جلس كايل على سريره، ينظر إلى السقف. من داخله، همس نيون بصوت خافت:

· كايل...

· نعم؟

· ذلك الشاب... أليان... هل أصبح لنا صديق؟

· لا أعرف يا نيون. لكنه... مختلف.

· هذا جميل. أنا أحب الأصدقاء.

ابتسم كايل تحت قناعه:

· نم الآن. غدًا يوم جديد.

· ليلة سعيدة يا كايل.

· ليلة سعيدة يا نيون.

وفي صمت الليل، بقيت عينا كايل مفتوحتين، تفكر في اليوم الطويل، في ليام الجاهل، في أليان الغامض، وفي عالم بدأ يتغير ببطء من حوله.

ربما... ربما هناك أمل بعد كل شيء.

---

يتبع...

More Chapters