الفصل الحادي والعشرون : بوابة النار
المرآة في السماء كانت تتشقق ببطء، وكأن الزمن نفسه يتمزق. الضوء البنفسجي يغمر كل شيء، يحول المدينة إلى مشهد من كابوس. والكيان الذي كان يتشكل في قلب المرآة كان يزداد وضوحاً.
الرقم صفر وقف ثابتاً، عيناه المتلونتان تحدقان في السماء. كان يعرف أن اللحظة التي كان يخاف منها منذ 374 نسخة قد حانت أخيراً.
جيمي وقف بجانبه. رغم جراحه، رغم تعبه، كان مستعداً. قال بصوت خافت: "لقد رأيت هذا من قبل. في نهاية الدورة الأولى. عندما حاول الخروج."
"وماذا حدث؟"
"لم يكن قوياً كفاية. المرآة لم تكن جاهزة. لكن الآن..." نظر إلى المرآة المتشققة. "الآن... تغير كل شيء."
إدوارد كان يحاول النهوض، لكن جسده خانه. تحطيم الحجر استنزف كل قوته. نظر إلى الرقم صفر بعينين منهكتين: "إذا خرج... لا شيء سينقذنا."
"أعرف." قال الرقم صفر. ثم التفت إلى إليا. كانت تقف خلفه، ترتجف، لكنها لم تتراجع. نظر إليها، وابتسم. "خذي البقية إلى الملجأ السفلي. خذيهم جميعاً."
"لا!" صرخت إليا. "لن أتركك!"
"إليا... أرجوك. هذه المرة... لا يمكنني حمايتك وأقاتل في نفس الوقت."
"لا أريد حمايتك! أريد القتال معك!"
اقترب منها. وضع يديه على كتفيها. نظر في عينيها. "إذا خسرت... سيكون هناك حاجة لمن يكمل الطريق. لمن يتذكر. لمن... يحب. كوني أنت تلك الشخص."
بكت إليا. لكنها أطاعت. بدأت تأخذ الجرحى نحو الملجأ. قبل أن تغادر، التفتت إليه. "إذا مت... لن أغفر لك أبداً."
ابتسم الرقم صفر. "لن أموت. لدي موعد معك."
---
في تلك اللحظة، سمع صوت ضحك. ضحك قادم من السماء. ضحك قديم، عميق، مجنون.
"لدي موعد معها... كم هذا جميل. كم هذا... بشري."
الجميع نظر إلى السماء. الكيان في المرآة اكتمل. الرقم صفر الأول كان هناك. ليس شبحاً، ليس جزءاً، بل كاملاً. عيناه الأرجوانيتان تتألقان كنجمين، وجهه يشبه الرقم صفر لكنه أقدم، أكثر تجاعيداً، أكثر حكمة، وأكثر جنوناً.
قال بصوت يرن في كل زاوية من المدينة: "لقد انتظرت طويلاً. آلاف السنين. آلاف النسخ. آلاف الدورات. والآن... الآن حان الوقت لأخرج."
الرقم صفر تقدم خطوة. "لن تخرج."
"من سيمنعني؟ أنت؟" ضحك الأول. "أنت مجرد نسخة. رقم 374. وهذه ليست حتى أقوى نسخة. الأقوى كان رقم 12. تذكرته؟ قتلته بنفسي."
"أنا لست رقم 12. أنا لست أي نسخة أخرى. أنا... أنا من سينهي هذا الجنون."
"الجنون؟" صرخ الأول. "هذا ليس جنوناً. هذا... نظام. أنا خلقت هذا النظام. أنا خلقت النسخ. أنا خلقت العودة. أنا خلقت كل شيء! وأنا من سيدمر كل شيء وأعيده من جديد!"
رفع الأول يده. من المرآة، انطلقت أشعة بنفسجية. ضربت الأرض. انفجرت المباني. مات العشرات في لحظة.
صرخ الرقم صفر: "الجميع إلى الملاجئ! الآن!"
---
في الملجأ السفلي، كانت إليا تنظم الجرحى. لكن عقلها كان مع الرقم صفر. كانت تفكر في كل لحظة جمعتها به. في الحديقة عندما أنقذها. في الليلة التي أخبرها بحقيقته. في القبلة التي لم تحدث بعد.
نظرت إلى يدها. كانت ترتجف.
فجأة، شعرت بشيء غريب. شيء في صدرها. شيء دافئ. رفعت قلادتها. كانت الجوهرة التي أعطاها لها الرقم صفر تتوهج بضوء خافت.
همست: "ماذا...؟"
ثم سمعت صوته. ليس من الخارج، بل من الداخل. من قلب الجوهرة.
"إليا... أسمعيني..."
"زيرو؟ الرقم صفر؟ من أنت؟"
"أنا هو. كلانا. لقد اتحدنا، تذكرين؟ الجوهرة التي معك... هي جزء من روحي. إذا شعرتِ بتوهجها... فهذا يعني أن وقتي ينفد."
ارتجفت إليا. "ماذا تقصد؟"
"الأول أقوى مما توقعت. لا أستطيع صدّه وحده. سأحتاج إلى... مصدر طاقة إضافي."
"ماذا يمكنني أن أفعل؟"
صمت للحظة. ثم قال: "هناك بوابة. بوابة النار. في شرق المدينة. من خلالها يمكنني الحصول على طاقة كافية لهزيمته. لكن... لا أستطيع فتحها وحدي."
"كيف أفتحها؟"
"الجوهرة التي معك... هي المفتاح. لكن... فتح البوابة سيستهلك كل طاقتك. كل قوتك. قد تموتين."
لم تتردد إليا. "أخبرني أين."
"إليا... إذا مت... لا أعرف إن كنت سأستطيع العودة."
ابتسمت إليا. للمرة الأولى منذ بداية المعركة، ابتسمت بثقة. "لقد قلت لي أن أعيش مرة واحدة... بشكل صحيح. هذه هي فرصتي."
---
في السطح، كان الرقم صفر يقاتل. كان يصد هجمات الأول، لكنه كان يخسر. كل ضربة كانت تستنزف قوته. كل دفاع كان يضعفه.
جيمي كان بجانبه. يقاتل بشراسة. لكن حتى هو كان ينهك.
صرخ جيمي: "لا نستطيع الاستمرار! إنه أقوى منا!"
"أعرف!" رد الرقم صفر. "لهذا أحتاج إلى خطة."
"أي خطة؟"
نظر الرقم صفر نحو الشرق. نحو المكان الذي تلمع فيه الجوهرة التي أعطاها لإليا. شعر بها تتجه نحو بوابة النار.
ابتسم. "إليا... تفعلها."
"ماذا؟ ماذا تفعل؟"
"تفتح البوابة. مصدر الطاقة الذي يحتاجه الأول... يحتاجه هو أيضاً. إذا استطعت امتصاص الطاقة قبل أن يصل إليها..."
فهم جيمي. "إذاً... هي طعم؟"
"لا. هي... بطلة."
---
إليا كانت تركض. تركض بكل ما أوتيت من قوة. الجوهرة في يدها تتوهج أقوى فأقوى. خلفها، كانت المعركة مستمرة. أمامها، كانت بوابة النار تنتظر.
وصلت إلى موقع البوابة. كان مكاناً مهجوراً، محاطاً بالخراب. في الوسط، كان هناك إطار حجري ضخم. فارغ. ينتظر.
الجوهرة في يدها كانت تكاد تنفجر من التوهج.
"ماذا أفعل الآن؟" همست.
صوت الرقم صفر جاء من الجوهرة: "ضعي الجوهرة في الإطار. ثم... تراجعي."
"ماذا سيحدث؟"
"البوابة ستفتح. النار ستخرج. والأول... سيشعر بها. سيأتي ليمتصها."
"وأنت؟"
"سأنتظر. وعندما يأتي... سأضربه من الخلف."
ارتجفت إليا. "هذا خطر. إذا اكتشفك..."
"ثق بي."
نظرت إليا إلى الجوهرة. إلى الضوء الذي كان يتوهج. إلى الصوت الذي كان يطمئنها. تذكرت كل لحظة جمعتها به.
"أنا أثق بك."
وضعت الجوهرة في الإطار.
---
للحظة، لم يحدث شيء.
ثم... انفجر الضوء.
نار هائلة انطلقت من الإطار. نار لم تكن ناراً عادية. كانت ناراً أرجوانية. ناراً سحرية. ناراً من عالم آخر.
البوابة فتحت.
ومن داخلها، بدأت تخرج طاقة هائلة. طاقة كانت كافية لتدمير مدينة. طاقة كانت كافية لإحياء ميت. طاقة كانت كافية... لهزيمة الأول.
في ساحة المعركة، شعر الأول بالطاقة. التفت نحو الشرق. عيناه الأرجوانيتان اتسعتا.
"البوابة... فتحوها؟ كيف؟"
ابتسم الرقم صفر. "لأن هناك من يحبني أكثر مما تكره أنت."
صرخ الأول بغضب. انطلق نحو البوابة. ترك المعركة. ترك جيمي. ترك الرقم صفر. انطلق نحو مصدر الطاقة.
لكن الرقم صفر كان أسرع.
كان يعلم أن الأول سيفعل هذا. كان يعلم أنه سيترك كل شيء من أجل الطاقة. كان يعلم أن هذه هي الفرصة الوحيدة.
لحق به. ضربه من الخلف بكل قوته. سقط الأول أرضاً. لكنه نهض بسرعة.
"أحمق! تظن أن هذه الخدعة ستنفع؟"
"ليست خدعة." قال الرقم صفر. "إنها... تضحية."
---
عند البوابة، كانت إليا تشاهد النار تتصاعد. كانت تشاهد الطاقة تتدفق. وكانت تشاهد جسدها يضعف.
الفتح استنزفها. كما قال الرقم صفر. كانت تموت.
سقطت أرضاً. الجوهرة كانت لا تزال في الإطار، تتوهج. النار كانت تحيط بها، لكنها لا تحترق. وكأن النار تحميها. وكأن النار تعرف أنها صاحبة الحق.
همست إليا: "هل... نجحنا؟"
لم يجبها أحد. لكنها شعرت بشيء. شيء دافئ. شيء يشبه الحضن. شيء يشبه الحب.
أغمضت عينيها.
---
في مكان آخر، كان الرقم صفر يقاتل. كان يعلم أن إليا سقطت. كان يعلم أنها تموت. لكنه كان يعلم أيضاً أن البوابة فتحت. وأن الطاقة أصبحت متاحة.
كل ما يحتاجه الآن... هو الوصول إليها قبل الأول.
ركض نحو البوابة. الأول كان يركض أيضاً. كلاهما يريد الوصول أولاً.
من سيفوز؟
الرقم صفر كان أسرع. لكن الأول كان أقرب.
تسابقا. الأرض تحت أقدامهما تتشقق. الهواء من حولهما يتأجج. السماء تنقسم.
وصل الأول إلى البوابة قبل الرقم صفر بخطوة. مد يده ليمتص الطاقة.
لكن قبل أن يلمسها...
انفجرت البوابة.
انفجار هائل. انفجار أرجواني. انفجار غطى المدينة كلها.
وعندما انقشع الغبار...
لم يكن هناك أحد.
لا الأول. لا الرقم صفر. لا إليا. لا بوابة. لا شيء.
سوى خراب. وسوى صمت.
وسوى... كلمات مكتوبة على الأرض. كلمات بدم أحمر. كلمات تقول:
"لم ينته بعد."
---
نهاية الفصل الحادي والعشرين.
---
