Cherreads

Chapter 8 - الفصل الثامن

ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.

 كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.

 بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.

 في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء تتصدر ذاكرته من جديد

 كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.

 لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها، ويحترم وجهات نظرها، حتى في تلك الأوقات التي كانت تعارضه فيها الرأي وتتمسك بموقفها أمامه.

 لقد انقلبت الموازين تماما، ووجد سديم نفسه يتجرع من الكأس ذاتها التي أعدها للينا بيده، حيث صار الآن يعيش تفاصيل تلك الحرب النفسية المنهكة. 

 وفي تلك الزاوية المظلمة أمام البركة، اعترف لنفسه بصدق مرير أن لينا قد احتلت في قلبه مكانة لم يتوقع أبدا أن تصل إلى هذا الحد من العمق.

 كانت هي أول إنسية يلمس في روحها الرقة الحقيقية واللطف الصافي، وذلك منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيناه عليها في عالمها.

 تلاقت عيناه الخضراء بعينيها العسلية في نظرة طويلة، فتركت في نفسه أثرا لا يمحى، سحرته تلك العينان ببريقها الهادئ، مما جعله يرتاد الجامعة في أوقات كثيرة لمجرد رغبة ملحة في رؤيتها، أو طمعا في حديث قصير يجمعه بها.

 أخذ يسأل نفسه في مرارة عما إذا كان قادرا على التضحية بتلك الصداقة الرقيقة التي جمعته بلينا، فقط من أجل استعادة هيئته الضائعة التي طالما حلم بالعودة إليها، أم أن عليه ارتضاء البقاء حبيس هذا الجسد البشري الغريب إلى الأبد، ليحافظ على روابط إنسانية لم يختبر مثل دفئها من قبل؟

 كانت أنفاسه تخرج ببطء شديد، بينما ظلت عيناه معلقتين بعيني لينا.

 وفي تلك الأثناء، كانت سارلا وجارج يراقبان المشهد من موقعهما بصمت حذر، دون أن يصدر عنهما أي حراك يكسر هذا الصمت.

 بعيدا عن الأنظار، وخلف كثافة الأشجار الملتفة، كان هناك غراب أسود رابض في سكون تام، يراقب كل تفصيلة بدقة متناهية، لم تكن عينا هذا الطائر طبيعيتين بأي حال، إذ كانتا تلمعان بلون أحمر قانٍ، تخترقان الظلال العميقة بتركيز حاد، لم يكن هذا الكائن مجرد غراب عادي من سكان الغابة، بل كان في الحقيقة عين الساحرة إيزميرا التي تبصر بها ما خفي، وقد عثرت بمحض الصدفة على صيدها الثمين: سديم.

في مكانها البعيد، كانت إيزميرا تقف تراقب المشهد كاملا عبر عيني الغراب، وهي الساحرة التي ذاع صيتها المزلزل في الأرجاء، وكانت قبائل الجن تحسب لها ألف حساب، إذ يعترف حتى أقوى مقاتليهم بصلابتها وقوة سحرها التي لا تعرف الرحمة.

 كانت تتابع بصمت حركات سديم المترددة، بينما تلاعبت أصابعها بخصلات شعرها الأسود، وارتسمت على وجهها ملامح الاستغراب.

 كانت الساحرة إيزميرا تمتلك جمالا يسحر الألباب؛ حيث تميزت بعينين واسعتين زرقاوين تماثلان صفاء السماء في روعتها، ولها فم واسع يمنح وجهها حيوية، وأنف عريض القاعدة يضفي على ملامحها رسوخا وجاذبية فريدة. 

 كانت لا تتخلى عن فساتينها الزاهية المزينة بورود متنوعة الأشكال، بينما ينسدل شعرها الأسود اللامع بنعومة، وينتهي بمشبك صغير اتخذ هيئة فراشة رقيقة. 

 جاءت إيزميرا إلى هذا المكان بعد أن اختطفها ساحر من أهلها في عالم البشر، وهي لا تزال صغيرة السن، وبعد أن قضى ذلك الساحر نحبه في حرب ضارية ضد جني من بني "سنيب"، تولى تبنيها صديق الساحر المقرب؛ فأخذ يلقنها خفايا السحر وأصوله العميقة، حتى غدت اليوم من أقوى السحرة وأكثرهم نفوذا.

 في هذه اللحظة، كانت إيزميرا تقف تراقب عبر كرتها البيضاء المشهد البعيد؛ حيث يظهر سديم واقفا مع لينا. بدت ملامح الاستغراب واضحة على وجهها من تصرفاته؛ فهذا الأمير الذي ترتعد له فرائص الممالك، يقف الآن مترددا أمام كائنات كان يحتقرها دائما ولا يقيم لها وزنا.

 توجه نحوها مساعدها بنجامين بحديثه، وهو يقف إلى جانبها وعلامات التعجب تملأ وجهه، متسائلا:

 - من هؤلاء البشر؟ ولماذا يؤدون طقوسا خاصة بالجن؟

 أجابت إيزميرا وبصرها لا يزال معلقا بتفاصيل المشهد، فبالرغم من البعد كان كل شيء يبدو جليا وواضحا في كرتها السحرية، مدت إصبعها نحو الصورة وأوضحت:

 - هذا سديم... من مملكة النار.

 تملك الذهول من بنجامين، وارتفع نبرة صوته من أثر المفاجأة المدوية:

 - سديم؟

 ساد صمت قصير وكأنه يزن وقع الكلمة، ثم أردف قائلا:

 - لقد قيل إنه اختفى منذ ثلاث سنين!

 - لا، لم يختفِ، بل أنا من سحرته على هيئة مساعدي الأول الذي قتله بدم بارد، وجعلت شرط كسر اللعنة أن يرحل إلى عالم البشر خصيصا، ليختلط بهم عن قرب ويرى تطورهم وطريقة تفكيرهم التي كان يهزأ بها في كل حين.

ثلاث سنوات هي مدة التعويذة، السنة الأولى لازم عليه أن يبقى في عالم البشر ولا يعود لعالمه، السنة الثانية يعود لعالمه ولكن بشرط ألا يطول البقاء، الثالثة يبقى كما يريد في أي عالم أحب، ولكن ستكون السنة الأخيرة، وإن لم يجد إنسي يدخل طواعية لعالم الجن، لن يعود.

- لكن أليس البركة تجعلهم يعودون كما كانوا بدم أي إنسي ولا شرط إن كان دخلو طواعية أم لا.

- نعم، ولكن يجب أن يكون جسده غير مقيد بلعنة، إذ وجب عليه أولا فك اللعنة.

 علق بنجامين بنبرة تحمل التقدير:

 -حقا....يالك من قوية.

 ثم صوب نظره نحو الكرة السحرية بتركيز، وأراد أن يستفسر عما يدور بخلده، فقال باستغراب:

 - هل هذه الفتاة... لا بد أنها أحبته لدرجة تجعلها تضحي بحياتها من أجله؟

 ضيقت إيزميرا عينيها، ثم قالت:

 - لا أعلم بشأن الفتاة، ربما كذلك، ولكن لسديم لا ينوي قتلها، بل سيجرح يدها فقط، ما يعني أن احتمال نجاتها، وارد جدا لو أُسعفت في وقت مبكر.

لا بد أن بقاءه الطويل مع البشر علمه شيئا من اللين والاحترام.

 استمر بنجامين يحدق في الغابة الكثيفة، وتلك الشجرة التي تتحدى قوانين المنطق بتعجب؛ فقد كان لا يزال جديد في هذا العالم، تذكر كيف اختار بكامل إرادته أن يسلك درب السحر الوعر، مفضلا إياه على البقاء إنسيا عاديا يسهل اقتناصه من قبل الجن الذين يتخذون من البشر العاديين طرائد سهلة، ومن بين الجميع، كانت إيزميرا هي من مدت له يد العون وانتشلته من ضياعه لتتخذه مساعدا وفيا لها.

 حرك بنجامين رأسه ببطء نحو إيزميرا، وبدت نبرة صوته محملة بفضول وهو يوجه حديثه إليها:

 - ولكن... أريد أن أستفسر عن حقيقة هذا الكيان، ما هذه الشجرة؟ ومن أين جاءت؟

 - لا أحد يعلم يقينا سر وجودها، لكن الشائعات التي تتردد في الخفاء تقول إنها تمثل قلب هذا العالم، ومنهم من يهمس بأنها محض قوى سحرية مظلمة غرستها شياطين قديمة كانت تطمع في استعباد البشر....

 انظر الآن! ها هو سديم يرفع السكين ليجرح يد الفتاة. اليوم هو الفرصة الأخيرة لكسر تلك التعويذة، لكنني لا أستوعب فعله أبدا.. هل حقا تعني له تلك الإنسية كل هذا القدر؟ وهل سيضحي بجزء من قوته لكي لا تموت؟ أحقا هذا هو سديم الذي كانت ترتعد فرائص بعض الممالك من ذكر اسمه؟

 تمتم بنجامين وهو يراقب المشهد المنعكس في الكرة بتركيز بالغ، وتساءل بصوت خافت:

 - لدي فضول لمعرفة ما الذي سيخسره في هذه اللحظة.. هل سيعود لشكلة القديم ويفقد قدرته على القتال أم سيحدث أمر آخر؟

 تنهدت إيزميرا بعمق، وظهرت على ملامحها مسحة من ندم مفاجئ لم يعهده فيها من قبل، ثم أفادت بمرارة:

 سيعود جسده فقط، ولكن سيخسر قدراته.

 أتعلم.. لو جاء إلي واعتذر عما بدر منه، لمنحته حلا آخر لا يتطلب كل هذا الألم.

 استفسر بنجامين والدهشة تكسو وجهه:

 - أيوجد حل آخر حقا؟

 أكدت إيزميرا قائلة بلهجة جادة:

 - نعم، ولكن يتطلب زهور "بينانون" البرية... صحيح بعد أن تذكرت لم يعد لدي أي زهرة منها الآن.

 يجب أن نذهب بعد أن أوق

ف سديم، ثم أذهب إلى جبال هالي، تلك الجبال التي تخبئ خلف صخورها أهوالا لا توصف، ولكننا مضطرين لجلبها.

 

More Chapters