أشرقت الشمس، وتسللت خيوطها الذهبية كنِصالٍ مستقيمة تخترق هامات الأشجار الكثيفة، فاستحال العشب النديّ تحت أقدامهم إلى بساط من الزجاج الأخضر اللامع، يعكس الضوء في عيونهم.
كان سديم غارقا في صمته، يضع كفه على ذقنه ويغرس أصابعه في جلده بتوترٍ، وهو يتدبر أمر اقتحام قلب مملكة "آسن"؛ تلك الأرض التي اتخذ المكر فيها مستقرا، والوحيدة التي يضاهي أبناءها قوة ملوك الظلال وأبناء النار.
التفت بنظره نحو إيزميرا، وسألها بصوتٍ غلفه الشك ومرارة الحيرة:
- ولكن، كيف لي أن أخفي هويتي؟ وكيف أقاتل وقد فقدتُ جزء من قوتي؟ أنتِ تعرفين جيدا من هم أبناء آسن؛ سيعرفون أني جني من ملوك النار، حتى لو أرتديت مئة قناع، وعندها ستشتعل نيران الحرب التى خمدت بين المملكتين من جديد.
رسمت إيزميرا على ثغرها ابتسامة خاطفة غلفها الغموض، وأجابت بثقة:
- أتظن حقا أني لم أدبر حل لمثل هذه الأمور؟
اطمئن، لن يعرفوا من أنت، ولا حتى أنا.
تابعت وهي ترسم ملامح خطتها في الفضاء:
- أولا، سأكشف لك هوية الخاطف ومكانه، وبينما تذهب أنت لاستعادة صديقتك، سأنطلق أنا ومساعدي نحو جبال 'هالي' لإحضار زهرة 'بينانون'؛ فهي السبيل الوحيد لاسترداد قوتك التي سلبتها التعويذة.
وعندما ننتهي كلانا من مهمته، سنلتقي من جديد لأشرح لك كيفية التسلل إلى المملكة.
زمّ سديم شفتيه بشدة، وتجعد جبينه بضيقٍ؛ شعر برغبة عارمة تطوف في عقله لخنق إيزميرا، لإدراكه أن هناك وسيلة لاستعادة قوته.
تنفس بعمق محاولا طرد تلك الخيالات العنيفة، لكن الساحرة قطعت حبل أفكاره قائلة:
- عليك أن تعدني يا سديم.. سترافقني إلى مملكة آسن.
- أعدكِ، سأذهب. الآن أخبريني بالاسم والمكان، فالوقت ينفذ منا.
أخرجت إيزميرا كرتها السحرية من جيبها، فبرزت كأنها عين زجاجية عملاقة تحمل في جوفها أسرار ما رصده الغراب، ثم قدمتها لسديم ليتبين بنفسه حقيقة ما جرى.
انحبست الأنفاس والمشاهد تمر أمام عينيه متلاحقة، ولما وصل للمموقف النهائي، كان الدخان الكثيف يحجب الرؤية، لكن الغراب شق طريقه ببراعة خلف ذلك الملثم حتى تجاوز حدود "قلب الغابة". وهناك، تحت الضوء الواضح، انقشع الغموض عن وجه الساحر الشرير "موسان"، الملقب بـ ماسو، الخادم المخلص للجني أكار المعروف بـ الأفعى الضخمة
بينما كانت المشاهد تتوالى في جوف الكرة السحرية، تجسدت اللحظة التي قصمت صبر سديم؛ ظهر "ماسو" وهو يحمل "لينا" فوق كتفه بجسدها الواهن، يختال بمشيةٍ يملؤها الزهو كأنه ظفر بغنيمة ثمينة.
في تلك اللحظة، غادرت الطمأنينة وجه سديم، واتقدت عيناه بحمرةٍ داكنة تشبه لزوجة الدم، وكور قبضتيه بقوةٍ رهيبة جعلت رنين عظام يده يطقطق بوضوحٍ في سكون الغابة. زمجر بصوتٍ عميق خرج من قرار حنجرته كزئيرٍ مكبوت:
- ماسو! أيها الوغد.. سأنتزع روحك بيديّ هاتين.
لم ينتظر سديم لحظة أخرى؛ فما إن تسلم إحداثيات موقع "أكار" حتى انطلق كالسهم المارق، يشقُّ الضباب والأشجار بوقعةِ قدمٍ لا تعرف الهوادة. وفي أثره، توارت إيزميرا ومساعدها بين ظلال الغابة، متجهين بصمتٍ صوب جبال "هالي" الوعرة، بحثاً عن تلك الزهرة النادرة التي ستوقد في جسد سديم ناره الخامدة، وتعيد إليه سلطانه المسلوب.
******
كانت الملكة "سيليا" رابضة في ركن غرفتها تحت ضوءٍ خافت يداعب المكان، ونيران الغضب تنقذف منها، ويقتات الانزعاج من وجهها.
لم تكن كلمات سارلا تفارق مخيلتها؛ تلك الوشاية المسمومة عن وقوع ابنها سديم في شباك عشق لينا.
لم تعد تقوى على كتمان ثورتها، فارتمت على سريرها تدقق في سقف الغرفة، وتبحث في زوايا أفكارها عن مخرجٍ ينهي هذا الأمر قبل أن يستفحل.
وفي غمرة هواجسها، انفتح الباب ودخل الملك، وكانت علامات الغضب ترتسم على وجهه هو الآخر، وتشي بضيقٍ لا يقل عن ضيقها.
نظرت إليه الملكة بنبرة حادة ممزوجة بالمرارة، وقالت:
- أسمعت ماذا يفعل ابنك؟ الوريث الذي سيحمل التاج من بعدك؟.
رد الملك بصوتٍ متهدج يملؤه الغيظ:
- نعم، رأيت ذلك.
تابعت الملكة بضيقٍ وكأنها ترجو نفيا لما سمعت:
- أيعقل أنه يحبها حقا؟
أجاب الملك وهو يشيح بنظره بعيدا، وبنبرةٍ يملؤها القنوط:
- هذا ما يفضحه بريق عينيه، الواضح أنه يحبها.
بينما كانت خيوط الغضب تحيك ملامحها، اصطبغ وجه الملكة سيليا الرمادي حتى مال إلى الزرقة، واصطبغت حواشي عدسة عينيها بحمرةٍ خفيفة كأنها نذير خطر.
زمت شفتيها بقوة، ثم نطقت بصرامة لا تقبل الجدل:
- يجب أن نضع حدا لهذا الأمر.. لا يمكن لهذه الفتاة أن تبقى على قيد الحياة.
أشاح الملك روساف بوجهه عنها، وقال بنبرةٍ باردة:
- لا شأن لي بذلك، ابنكِ صار رجلا، ويستطيع التمييز بين الصواب والخطأ.
اندفعت نحوه قائلة بحدة:
- بل يجب أن توقفه عند حده قبل أن يضيع كل شيء!
زفر الملك زفرة ثقيلة مفعمة بالضيق:
- آه يا سيليا.. لديّ من الهموم ما هو أعقد بكثير من نزوات عشق ابنكِ.
توقفت الملكة، وارتسمت على وجهها علامات الدهشة الممتزجة بالقلق، وسألت بلوعة:
- وأي موضوع قد يكون أهم من مستقبله؟ أرجوك يا روساف، أخبرني ما هو؟
رد الملك وهو يغمض عينيه بتعب:
- سيليا، سنتحدث في هذا لاحقا.. رجاء، أريد أن أرتاح الآن.
تمتمت الملكة بمرارة وهي تبتعد عنه:
- "ستظل هكذا دائما، تهرب في اللحظات الحاسمة.
اتجه الملك نحو السرير الضخم المنحوت من الكريستال والذهب، والمغطى بأفخر أنواع الحرير اللامع، وتمدد فوقه بجسده المنهك.
كانت الغرفة غارقة في جوٍّ غريب؛ فبينما يسطع ضوء المصباح اليدوي ليوحي بالفخامة، ظلت الجدران صخرية عارية بلا طلاء، تعكسُ قسوة الطبيعة التي ينتمون إليها.
ظلت سيليا جالسة، وتنسج في مخيلتها خطة تلو الأخرى، مصممةً على التخلص من "لينا" نهائياً، فيما لو كُتب لها النجاة وعثر عليها سديم حية.
###№###########
على الجانب الآخر، شقَّ سديم عتمة الغابة بسرعة البرق حتى بلغ الكهف الرابض بين أشجار "ديجور" في أقاصي شمال مملكة النور.
توقف خلف الأشجار الكثيفة، يراقب بوجلٍ ذلك الفراغ المنحوت في قلب الجبل، لكن السكون كان مريبا؛ فلا حراس يلوحون في الأفق، ولا أثر للأفعى "أكار".
تقدم سديم برفقة "بلانو" بخطواتٍ حذرة يملؤها الحذر، حتى توغلا في جوف الكهف. تأهبا لكل هجومٍ محتمل، لكن ما وجداه كان أبشع من أي قتال؛ حارسٌ وحيدٌ يقف أمام كومة من البشر ملقاة في قعر الكهف، تطفو أجسادهم في بركةٍ من الدماء القانية، بينما كان الحارس ينتهشُ إحدى الجثث في مشهدٍ يندى له الجبين.
صُعق سديم، وخفق قلبه بعنفٍ زلزل كيانه، وسرت رعدةٌ في جسده حين أبصر "لينا" ملقا في زاويةٍ بعيدة عن كومة الموتى. انقضَّ كالإعصار على الحارس الذي بدا ككتلةٍ من الشحم المقزز، بوجهٍ تملؤه عيون الأفاعي وفمٍ واسعٍ كريه. أحكم سديم قبضته على عنقه، واستلَّ من تحت عباءته سيفاً يتوهجُ بنارٍ حارقة، وهدر فيه بغضبٍ مزق الصمت:
- أين أكار؟.
أجاب الحارس بصوتٍ يرتجفُ ذعرا:
- لا أعلم.. صدقني! أنا جديدٌ هنا ولا شأن لي.. قيل لي إنها تجارب فاشلة، وبإمكاني فعل ما أشاء بالجثث.
اتقدت عينا سديم بحمرةٍ دامية، واصطكت أسنانه ببعضها وهو يهمس بذهولٍ غاضب:
- تجارب فاشلة؟ أتمزح معي؟
نظر مرةً أخرى إلى الأشلاء المبعثرة؛ رؤوسٌ مفصولة وأطرافٌ مأكولة، فشعر ببرودة الموت تسري في عروقه. ألقى بالحارس لبلانو، وهرع نحو لينا.
حين جثا بجانبها، وجدها كغصنٍ يابسٍ أضناه الجفاف؛ وجهها الشاحب حفرت فيه الأخاديد عروقاً بارزة، وإحدى عينيها اصطبغت بأحمر داكن مخيف. انهار جسد سديم بجوارها، وخانه صوته للحظاتٍ قبل أن تستجمع ذاكرته شتات الكلمات، فسألها بلهفةٍ مكسورة:
- لينا.. هل أنتِ بخير؟ أخبريني.. ماذا حدث؟
أدرك بقلبٍ يعتصره الألم أن جسدها سليمٌ ظاهريا، لكن تلك العروق النافرة كانت الختم اللعين لتعويذةٍ سُممت بها روحها. لم تُجب لينا في البداية، بل بدأت تلهثُ بصعوبةٍ وكأن أنفاسها تهرب منها، ثم خرجت كلماتها متهدجة وموجعة:
- سديم.. ساعدني.. أرجوك.. جسدي يحترق.
ضمّها إليه وهو يهمس
بيقينٍ يحاول به طرد خوفه:
- لا تخافي.. أنا هنا الآن، وسأخرجكِ من هذا الجحيم فورا.
