Cherreads

Chapter 1 - Unnamed

يقولون إن الحقيقة كالشمس، لا يمكن إخفاؤها طويلاً. لكنهم نسوا أن الشمس نفسها تغيب كل يوم لتتركنا في مواجهة الظلام، حيث لا يعود للأشياء شكلها المعتاد. في هذا المكان، وفي هذه اللحظة تحديداً، لم تعد القواعد القديمة سارية.

الغموض ليس مجرد غياب للإجابات؛ إنه حضور طاغٍ لأسئلة لم يجرؤ أحد على طرحها. خلف كل باب مغلق، ثمة همس يرفض أن يموت، وتحت كل ابتسامة عابرة، يختبئ سرٌ يتربص بصاحبه. نحن لا نبحث عن الحقيقة لأنها ضائعة، بل لأنها موجودة في مكان ما، تراقبنا بصمت، وتنتظر منا زلة واحدة فقط لتكشف عن وجهها الحقيقي.

استعد.. ففي هذه الرحلة، ليس كل ما تراه هو الواقع، وليس كل من يتحدث هو الصادق. أحياناً، يكون الصمت هو أعلى الأصوات صراخاً، وتكون النهاية هي مجرد البداية لخديعة أكبر

بدأ الأمر بخدشٍ بسيط على سطح الهدوء الرتيب. لم يكن صوتاً عالياً، بل كان أقرب إلى وشوشة الريح في رواقٍ مهجور. في تلك اللحظة، شعر "ياسين" بأن الهواء حوله قد ثقل فجأة، كما لو أن الغرفة بدأت تضيق بمرتاديها من الأسرار.

نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط؛ عقرب الثواني كان يتحرك برتابة قاتلة، لكنه شعر لأول مرة أن كل "تكة" هي مسمار يُدق في تابوت السكينة التي عاشها لسنوات. سأل نفسه: هل يبدأ الانهيار دائماً بهذا الهدوء؟

ثمة فجوة في الذاكرة، خيط مقطوع حاول مراراً وصله لكنه كان ينزلق من بين أصابعه كالدخان. فتح الدرج العلوي لمكتبه، هناك كانت تقبع تلك الرسالة غير الموقعة. ورقة مصفرة الأطراف، لا تحمل عنواناً ولا اسماً، فقط جملة واحدة كتبت بخطٍ يرتجف:

"النسيان ليس غفراناً، إنه فقط تأجيل للمواجهة."

خرج إلى الشرفة، كانت المدينة تحتدم بالأنوار والضجيج، لكنه رآها بشكل مختلف هذه المرة. رآها كمتاهة كبرى، حيث يركض الجميع في ممرات مرسومة مسبقاً، ظانين أنهم يملكون حرية الاختيار، بينما الحقيقة هي أن الخيوط تُحرك من خلف تلك الستائر الكثيفة التي تحدث عنها في سره.

لم تكن المشكلة في الجريمة التي وقعت، أو السر الذي انكسر غطاؤه.. المشكلة كانت في "التوقيت". لماذا الآن؟ ولماذا هو؟

سحب نفساً عميقاً، وشعر ببرودة المعدن في جيبه. لم يكن مجرد مفتاح قديم، بل كان تذكرة لرحلة لا عودة منها. أغلق عينيه للحظة، فتراءت له صورة تلك العينين التي تراقبه من بعيد.. عينان تعرفان عنه أكثر مما يعرف هو عن نفسه.

"الآن، تبدأ اللعبة حقاً،" همس لنفسه، بينما كانت الريح تصفق نافذة الغرفة بقوة، معلنةً انتحار الصمت وبداية العاصفة.

-------------------------

لم يكد "ياسين" يضع يده على مقبض الباب ليغادر، حتى رنّ جرس الهاتف الأرضي. صوت الرنين في ذلك الوقت المتأخر كان يشبه صرخة استغاثة في بئر عميق. تردد. كان يعلم أن رفع السماعة يعني التوقيع على عقدٍ مع المجهول، لكن الفضول — ذلك الوحش الذي يقتات على حذرنا — دفعه للرد.

لم يأتِ صوتٌ من الطرف الآخر، بل كان هناك نفسٌ مضطرب، وإيقاع منتظم لشيء يرتطم بطاولة خشبية. ثم، وبصوتٍ لا يتجاوز الهمس، جاءت الكلمات:

"المفتاح الذي في جيبك لا يفتح باباً، إنه يغلق واحداً.. فكر جيداً قبل أن تستخدمه."

انقطع الخط. ساد صمتٌ أثقل من الذي سبقه. نظر ياسين إلى المفتاح في يده؛ كان نحاسياً، قديماً، وعليه نقشٌ غريب يشبه زهرة ذابلة. أدرك حينها أن حياته الرتيبة كخبير أرشيف لم تكن إلا غطاءً لشيء أضخم، وأن "النسيان" الذي طالما احتمى به بدأ يتآكل.

في الخارج..

كان الضباب يلف شوارع المدينة ككفنٍ رمادي. استقل سيارته واتجه نحو "الحي القديم"، المكان الذي لم يزره منذ عشر سنوات، المكان الذي دفن فيه آخر ذكرياته عن والده. كانت الطرقات تبدو مألوفة ومنفرة في آن واحد، كأنها تعاتبه على غيابه الطويل.

توقف أمام مبنى متهالك، نوافذه تشبه عيوناً مطفأة. هنا، في القبو رقم (9)، يوجد الصندوق الذي أخبره والده يوماً أنه "إرث العائلة الحقيقي". لم يفهم ياسين حينها معنى الكلمة، ظنها مجرد استعارة عن الشرف أو الاسم، لكنه الآن يدرك أن الإرث قد يكون لعنة.

بينما كان يهمّ بالنزول إلى الدرج المظلم، لمحت عيناه في مرآة السيارة الجانبية ظلاً يتحرك خلف شجرة السرو الكبيرة. لم يكن خيالاً. هناك شخص يتبعه، شخص لا يمشي كالبشر العاديين، بل ينزلق بين الظلال بخفةٍ مرعبة.

المواجهة الصامتة:

لم يلتفت ياسين. علم أن إظهار الخوف هو أول خطوة نحو الهزيمة. وضع يده على المفتاح، وضغطه بقوة حتى غرزت حوافه في راحة يده. نزل الدرجات الواحدة تلو الأخرى، وصوت وقع أقدامه يتردد في الممر الضيق مثل دقات قلب محمومة.

عندما وصل إلى الباب الخشبي الثقيل للقبو، توقف. شمّ رائحة مألوفة.. رائحة بخور قديم وورق محترق. وضع المفتاح في القفل، لكنه قبل أن يديره، سمع صوتاً من خلفه مباشرة، هادئاً كأنه لم يأتِ من حنجرة بشرية:

"لا تفتحه يا ياسين.. فبعض الأبواب إذا فُتحت، لن تعود أنت نفسه الشخص الذي أغلقها."

التفت ببطء، ليجد أمامه رجلاً يرتدي معطفاً طويلاً، وجهه مغطى بظلال قبعته، لكن ما أرعبه حقاً ليس الغريب، بل تلك القلادة التي يرتديها الغريب.. كانت مطابقة تماماً للنقش الموجود على المفتاح.

-------------------------

في تلك اللحظة، تجمد الزمن. لم تكن برودة الجو هي ما جمدت الدماء في عروق ياسين، بل تلك الحقيقة الباردة التي رآها تتجسد أمامه. القلادة التي تتدلى من عنق الغريب لم تكن مجرد زينة، كانت صك ملكية للماضي.

الفصل الثالث: وريث الرماد

"من أنت؟ وكيف عرفت اسمي؟" خرج صوت ياسين مهزوزاً، يصارع الصمت الثقيل للممر.

لم يتحرك الغريب، ظل واقفاً في بقعة الظل التي تفصله عن الضوء الخافت للمصباح الوحيد في الرواق. قال بهدوء مرعب:

"الأسماء لا تهم هنا يا ياسين. نحن في مكانٍ تُعرف فيه الأرواح بأخطائها لا بألقابها. أما كيف عرفتك؟ فأنا كنت هناك عندما وُضع هذا المفتاح في يد والدك لأول مرة.. كنت الظل الذي لم يلحظه أحد."

تقدم ياسين خطوة، متحدياً غريزة الهرب التي تصرخ في داخله. "والدي مات منذ عشر سنوات، ومعه دفنت كل أسراره. ما الذي تريده الآن؟"

ضحك الغريب ضحكة مكتومة، خالية من أي مرح. "مات؟ الناس مثل والدك لا يموتو

More Chapters