Cherreads

Chapter 4 - الفصل

مرّت سنتان داخل جدران فالكر الحديدية… سنتان كان فيهما رين يتعلّم كيف يخفي ألمه، وكيف يبتسم وهو ينزف من الداخل، وكيف يختار كلماته بدقة ليبقى حيًا.

وخلال تلك السنتين… كان هناك هدف واحد فقط يزداد وضوحًا في ذهنه:

أن يخرج من هذا الجحيم.

وفي إحدى الليالي، وقف رين أمام ليوس، نظراته ثابتة، وصوته هادئ بشكل يثير الشك:

"أريد مقابلة الإمبراطور داريوس."

ليوس ضحك بخفة، ضحكة تحمل سخرية أكثر مما تحمل مرحًا:

"ولماذا قد يسمح لك أبي برؤيته؟ أنت مجرد… رقم."

لكن رين لم يتراجع.

اقترب خطوة، وقال بصوت منخفض:

"لدي شيء يهمه. شيء لن يسمعه من أحد غيري."

ليوس ضيق عيونه، يراقب رين كما لو كان يحاول قراءة ما خلف عينيه.

"وما الذي يجعلك تظن أني سأساعدك؟"

رين رفع رأسه بثقة هادئة:

"لأنك تريد أن ترى إلى أي مدى يمكنني الانكسار… أو الولاء."

كانت الجملة الأخيرة كافية لتثير فضول ليوس.

وبعد أيام من الإصرار… وافق أخيرًا.

---

داخل قاعة العرش الحديدية

فتح الحراس الأبواب الثقيلة، ودخل رين بخطوات ثابتة رغم القيود التي ما زالت تلتف حول معصميه.

الإمبراطور داريوس كان جالسًا على عرشه ا، ينظر إليه كما ينظر صياد إلى فريسة جديدة.

قال داريوس بصوت منخفض، لكنه يحمل قوة تكفي لإسكات جيش:

"سمعت أنك تريد مقابلتي… يا رين سيان."

لم يرفع رين رأسه مباشرة.

بل انحنى قليلًا، ثم قال:

"جلالتك… لدي عرض."

ضحك داريوس، ضحكة قصيرة، ساخرة:

"أسير… يقدم عرضًا؟ هذا جديد."

رفع رين نظره أخيرًا، وعيناه كانتا هادئتين بشكل غريب:

"أرسل رسلك إلى الإمبراطور هان سيان.

اطلب منه طلبًا معقولًا… شيئًا يمكنه قبوله دون أن يثير الشك."

داريوس مال للأمام، اهتمامه يزداد:

"وماذا أطلب منه؟"

رين قال الجملة ببطء، وكأنه يختار كل كلمة بعناية:

"اطلب منه… هدنة مؤقتة.

هدنة قصيرة، محدودة… مقابل إطلاق سراحي."

ساد الصمت.

ليوس الذي كان يقف خلف العرش، رفع حاجبه بدهشة.

أما داريوس… فابتسم ابتسامة باردة:

"هدنة؟ تريدني أن أطلب السلام من والدك؟"

رين لم يرمش حتى:

"ليس سلامًا.

هدنة فقط.

شيء صغير… لكنه كافٍ ليجعله يوافق."

داريوس :

"ولماذا قد أطلق سراحك؟ أنت ورقة رابحة."

هنا… ابتسم رين.

ابتسامة هادئة، لكنها تحمل شيئًا مظلمًا:

"لأنني… حتى لو أطلقتم سراحي…

سأبقى معكم."

داريوس تجمّد للحظة.

ليوس أيضًا لم يتحرك.

رين أكمل بصوت منخفض:

"سأعود إلى إمبراطورية سيان…

لكن ولائي سيكون لكم."

كانت كذبة.

كذبة خطيرة.

لكنها خرجت من فمه بثبات جعل داريوس يشك للحظة في كل شيء.

داريوس قال ببطء:

"ولماذا… قد تخون أباك؟"

رين خفض نظره، وكأنه يتذكر شيئًا مؤلمًا:

"لأنه… تخلى عني."

كانت الجملة صادقة في ظاهرها…

ومسمومة في باطنها.

داريوس ابتسم أخيرًا، ابتسامة رجل بدأ يقتنع:

"إذن… تريدني أن أطلب من والدك هدنة… مقابل إطلاق سراحك."

رين رفع رأسه:

"نعم، جلالتك."

داريوس وقف من عرشه، واقترب خطوة:

"وإذا وافق…

فأنت ستكون… ملكي."

رين انحنى ببطء:

"كما تريد."

لكن في داخله…

كان يقول شيئًا آخر تمامًا:

"سأخرج من هنا… مهما كلف الأمر."

ابتسم داريوس ابتسامة واسعة، ابتسامة رجل يظن أنه كسب الجولة أخيرًا.

ثم قال للحراس:

"خذوه…

ليس إلى الزنزانة.

ضعوه في الجناح الشرقي."

تجمّد الحراس للحظة.

الجناح الشرقي لم يكن مكانًا يُعطى للأسرى… بل للنبلاء.

لكنهم انحنوا فورًا:

"أمركم، جلالتكم."

اقتادوا رين عبر ممرات القصر، حتى وصلوا إلى باب ضخم منقوش بالذهب.

فتحوه… فانكشفت غرفة فاخرة، جدرانها مغطاة بالحرير، وسريرها أعرض من زنزانته السابقة بعشر مرات.

وقف رين في منتصف الغرفة، ينظر حوله بصمت.

أحد الحراس قال:

"هذه أوامر الإمبراطور.

ستبقى هنا… حتى يتم الاتفاق."

ثم أضاف ببرود:

"ولا تحاول الهرب.

الحرس يحيطون بالمكان ليلًا ونهارًا."

رين لم يرد.

فقط جلس على حافة السرير، يراقب انعكاسه في المرآة.

كان يبدو… شخصًا آخر.

في اليوم التالي، جلس داريوس على مكتبه، وكتب رسالة مختصرة، لكنها تحمل تهديدًا مبطنًا:

"نقترح هدنة مؤقتة…

مقابل إطلاق سراح ابنكم."

ختمها بختم فالكر الأسود، ثم قال للحارس:

"أرسلها فورًا.

وأريد الرد خلال أسبوع."

---

الأسبوع الأول

لا رد.

داريوس قال لنفسه:

"ربما الرسالة تأخرت."

---

الأسبوع الثاني

لا رد.

ليوس قال بسخرية:

"يبدو أن والدك لا يهتم بك كما قلت يا رين."

رين لم يرفع رأسه.

لكنه شعر بشيء يلتف حول قلبه… شيء يشبه الألم القديم.

---

الأسبوع الثالث

لا رد.

داريوس بدأ يفقد صبره.

ضرب الطاولة بقبضته:

"هل يجرؤ على تجاهلي؟!"

---

الشهر الأول

لا رد.

الحراس لاحظوا أن داريوس أصبح أكثر عصبية.

ليوس أصبح أكثر سخرية.

ورين… أصبح أكثر صمتًا.

---

الشهر الثاني

لا رد.

داريوس بدأ يشك:

"هل جن؟

أم أنه يتجاهلني عمدًا؟"

ليوس قال بابتسامة باردة:

"ربما… لم يعد يريد ابنه."

كانت الجملة مثل سكين في صدر رين.

لكنه لم يُظهر شيئًا.

---

الشهر الثالث

لا رد.

وفي صباح اليوم الأخير من الشهر الثالث…

انفجر داريوس أخيرًا.

يضرب بقدمه الاشياء ، وصاح بصوت هزّ القاعة:

"ثلاثة أشهر… ولا كلمة؟!

هل يظن أني لعبة؟!"

التفت إلى الحراس:

"أعيدوه إلى الزنزانة.

الآن."

ليوس ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ البداية.

فتح الحراس باب الغرفة الفاخرة.

رين كان واقفًا، وكأنه يعرف ما سيحدث.

قال أحد الحراس ببرود:

"انهض.

الأوامر تغيّرت."

رين لم يسأل.

لم يقاوم.

لم يتكلم.

فقط سار معهم بصمت…

عائدًا إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء.

الزنزانة الباردة.

الجدران الرطبة.

الظلام الذي يعرفه جيدًا.

وعندما أغلقوا الباب خلفه—

سمع صوت ليوس يهمس من الخارج:

"أهلاً بعودتك… رقم."

رين جلس على الأرض، يضع يده على صدره.

ثلاثة أشهر…

ولا رد من والده.

همس لنفسه بصوت مكسور:

"أبي… لماذا؟"

لكن لا أحد أجابه.

بعد سنه

كانت الغرفة الطبية غارقة في رائحة الأعشاب المحروقة والدم.

الطبيب يقف بجانب السرير

دخل ليوس بخطوات هادئة… هادئة جدًا لدرجة أن الطبيب شعر بقشعريرة تسري في ظهره.

قال ليوس بصوت منخفض، لكنه يحمل تهديدًا واضحًا:

"هل انتهيت من الفحص؟"

ابتلع الطبيب ريقه:

"ن… نعم يا سمو الأمير. حالة رين سيان… خطيرة."

ليوس اقترب خطوة، حتى أصبح وجهه على بعد شبر من الطبيب:

"خطيرة… لدرجة الموت؟"

الطبيب أومأ بسرعة:

"نعم. جسده لم يعد يتحمل. إن لم نتدخل الليلة… لن ينجو حتى الصباح."

ساد صمت ثقيل.

ثم التفت ليوس نحو القارورة السوداء، ورفعها بين أصابعه:

"إكسير الظلال… آخر ما تبقى منه في فالكر."

الطبيب شهق:

"لكن يا سمو الأمير! هذا الإكسير—"

قاطعه ليوس بنظرة جعلت الكلمات تختنق في حلقه:

"أعرف تمامًا ما يفعله."

ثم أكمل ببرود:

"سينقذ حياته… ."

الطبيب حاول الاعتراض:

"لكن… هذا! —"

ليوس أمسك الطبيب من ياقة معطفه بقوة:

"هل تفضّل أن يموت؟"

ارتجف الطبيب، ثم هز رأسه بسرعة:

"لا… بالطبع لا."

أفلت ليوس ياقة الطبيب، ثم قال بصوت هادئ… هادئ لدرجة مخيفة:

"إذن أعطه الإكسير.

الآن."

تردد الطبيب للحظة، ثم قال:

"وماذا عن الإمبراطور داريوس؟ هل… هل يعرف؟"

ابتسم ليوس ابتسامة صغيرة، باردة:

"أبي هو من أمر بذلك."

الطبيب انحنى بخوف:

"أمركم يا سمو الأمير."

فتح القارورة…

قال الطبيب بصوت خافت

"سامحني..."

وسكب السائل في فمه.

رین شهق... جسده انتفض بقوة... ثم هدأ فجأة.

الطبيب تراجع بخوف

"لقد... بدأ مفعوله."

صمت كثيف... خانق... كأنه غطاء ثقيل وضع فوق العالم كله.

ثم بدأ يسمع شيئًا ...

نبض قلبه.

بطيئًا ...

ثقيلاً...

كأنه يعود للحياة من جديد.

فتح رين عينيه ببطء.

رمش مرة.

مرتين.

ثم تجمد.

كان الظلام يلتف حوله كوحش حيّ، يزحف على جلده، يدخل في صدره، يخنق أنفاسه.

رين ما زال على الأرض، يده تضغط على عينيه بقوة، كأنه يريد اقتلاع الظلام من داخله.

لكن لا شيء يتغير.

لا شيء.

"لماذا…؟"

خرج صوته مبحوحًا، متقطعًا، كأنه طفل ضائع يبحث عن يد تمسك به.

"لماذا لا أرى…؟

لماذا لا يوجد شيء…؟"

حاول الوقوف مرة أخرى، لكنه تعثر، سقط على الأرض، وارتطم كتفه بالحائط البارد.

صرخة ألم خرجت منه، لكنها لم تكن صرخة جسد… بل صرخة روح.

"أين…؟

أين الضوء؟

أين… العالم؟"

بدأت دموعه تنزل، ساخنة، ثقيلة، تنساب على خديه دون أن يشعر بها.

كان يمسح عينيه بيديه المرتجفتين، يفركهما بقوة، بقسوة، حتى بدأ الجلد يحمرّ ويؤلمه.

"افتحي…

افتحي!"

كان يخاطب عينيه.

"أرجوكما…

أرجوكما… افتحا!"

لكن الظلام ظلّ كما هو.

ساكنًا.

ثابتًا.

لا يرحم.

رنّ صوته في الغرفة، يرتدّ من الجدران كأنه صدى شخص آخر يبكي معه.

"لماذا… لا أرى؟

لماذا؟!"

ضرب الأرض بقبضته، مرة…

مرتين…

ثلاثًا…

حتى بدأت يده تنزف.

"أحد…؟

هل هناك أحد؟

أرجوكم…"

كان صوته ينكسر، يتفتت، ينهار.

"لا تتركوني…

لا تتركوني في الظلام…"

ثم بدأ يلهث، أنفاسه تتسارع، صدره يضيق، كأنه يغرق في بحر أسود.

"أرجوكم…

أرجوكم…

ساعدوني…"

ثم…

انفجر بالبكاء.

بكاء حقيقي.

بكاء رجل لم يبكِ منذ سنوات…

رجل كان أقوى من الجميع…

لكن الظلام كان أقوى منه.

غطى وجهه بيديه، وانحنى على نفسه، جسده يهتز، وصوته يخرج متقطعًا، مخنوقًا:

"لماذا…؟

لماذا…؟

ماذا حدث لي…؟"

كان يبكي كأنه فقد العالم كله…

ولم يكن يعلم أنه فقد شيئًا أكبر:

فقد نفسه.

وخارج الباب…

كان ليوس واقفًا، يستمع لكل صرخة، لكل شهقة، لكل ارتجافة.

ابتسم ابتسامة صغيرة، باردة، وقال للحارس بجانبه:

"اتركوه.

هذا… جزء من العلاج."

لكن الحقيقة؟

كان هذا الانهيار الذي خطط له ليوس منذ البداية.

كان صراخ رين قد هدأ…

ليس لأنه استعاد قوته، بل لأن صوته انكسر من كثرة البكاء.

جلس في زاوية الغرفة، يحتضن ركبتيه، رأسه منحنٍ، ودموعه ما زالت تنزل بصمت.

كان الظلام يلتف حوله كأنه جزء من جلده…

كأنه أصبح عالمه الجديد.

وفجأة—

فتح الباب.

دخل الحراس، خطواتهم ثقيلة، باردة، لا تحمل أي رحمة.

قال أحدهم بصوت خالٍ من المشاعر:

"انهض."

رين رفع رأسه ببطء…

لكن عينيه لم تتحركا نحو الصوت.

كان ينظر إلى الفراغ…

إلى لا شيء.

"أين… أنتم؟"

قالها بصوت مرتجف.

لم يجيبه أحد.

أمسك أحد الحراس بذراعه بقسوة، وسحبه للوقوف.

رين تعثر، كاد يسقط، لكنه تمسّك بيد الحارس دون وعي.

"إلى أين…؟

أين تأخذونني؟"

لم يرد أحد.

اقتادوه عبر الممرات الحجرية، خطواته غير ثابتة، يده تتحسس الجدران

كان يسمع أصواتهم…

لكن لا يرى وجوههم.

لا يرى الطريق.

لا يرى الضوء.

كل شيء… أسود.

وصلوا إلى بوابة القصر الحديدية.

كان الهواء البارد يصفع وجهه، ورائحة التراب الرطب.

وقف داريوس عند البوابة، يراقبه بصمت.

ليوس يقف بجانبه، ذراعاه متشابكتان، وابتسامة صغيرة على شفتيه.

قال داريوس بصوت منخفض، لكنه يحمل قسوة لا تخطئها الأذن:

"لقد انتهى دورك هنا."

رين تجمّد.

"ماذا… تعني؟"

ليوس اقترب خطوة، وقال ببرود:

"أنت حر."

رين فتح فمه…

لكن لم تخرج أي كلمة.

حر؟

وهو لا يرى؟

وهو لا يعرف الطريق؟

وهو لا يعرف حتى أين يقف؟

قال رين بصوت مكسور:

"لماذا…؟

لماذا تطلقون سراحي الآن؟"

داريوس لم يقترب.

لم يشرح.

لم يبرر.

قال فقط:

"اذهب."

ثم أشار للحراس.

أمسكوا رين من ذراعيه، وسحبوه خارج البوابة، ثم دفعوه بقوة إلى الأمام.

سقط على الأرض…

يداه تتحسسان التراب…

عينيه مفتوحتان على ظلام لا ينتهي.

سمع صوت البوابة تُغلق خلفه—

صوتًا ثقيلًا…

كأنه يغلق فصلًا كاملًا من حياته.

ثم ساد الصمت.

لم يبقَ شيء.

لا ضوء.

لا طريق.

لا أحد.

رين رفع رأسه نحو السماء…

لكن لم يرَ شيئًا.

همس بصوت مكسور، بالكاد يُسمع:

"أين… أذهب؟

كيف… أعود؟

ماذا… فعلتم بي؟"

لكن الريح فقط هي التي أجابته.

كان رين يسير بخطوات متعثرة داخل شوارع فالكر المظلمة.

لم يكن يعرف أنه ما زال داخل المدينة…

لم يكن يعرف حتى شكل الطريق تحت قدميه.

كل ما يعرفه…

هو الظلام.

الظلام الذي التصق بعينيه كأنه جزء منه.

كان يسمع أصوات الناس من بعيد:

• ضحكات قاسية

• صراخ أطفال

• صوت بائع ينادي

• وقع أقدام جنود

لكن كل هذه الأصوات كانت تأتيه مشوشة…

بعيدة…

كأنها من عالم آخر.

مدّ يده يتحسس الجدران الخشنة، يحاول أن يجد طريقًا للخروج.

كلما لمس جدارًا، شعر بالخوف يزداد.

تعثر بحجر وسقط على ركبتيه، وسمع ضحكة من بعيد:

"انظروا… هذا الأعمى لا يعرف أين يذهب!"

ضحكة أخرى:

"اتركوه… سيضيع ويموت وحده."

رين حاول الوقوف، لكنه لم يستطع.

يده تتحسس الأرض، يبحث عن شيء يتمسك به.

"أحد…؟

أرجوكم…"

لكن الناس مرّوا بجانبه دون أن يلتفتوا.

سار رين بمحاذاة الجدار، يده ترتجف، خطواته غير ثابتة.

كان يسمع أصوات السوق تبتعد…

ثم أصوات البيوت…

ثم أصوات الجنود…

حتى بدأ يسمع شيئًا آخر:

هدوء.

هدوء غريب…

كأنه خرج من قلب المدينة إلى أطرافها.

"هل… خرجت؟"

همس لنفسه.

لكن لم يكن يعرف.

كل ما يعرفه…

أنه ما زال أعمى…

وما زال وحيدًا.

وصل إلى طريق ترابي خارج أسوار المدينة، لكنه لم يكن يعرف ذلك.

قدماه تعثرتا في حفرة صغيرة، فسقط على الأرض بقوة.

صرخة ألم خرجت منه:

"آه…!"

حاول النهوض…

لكن جسده لم يعد يحتمل.

"أحد…؟

هل يسمعني أحد…؟"

صوته كان ضعيفًا…

مكسورًا…

كأنه يختفي مع الريح.

ثم…

سمع صوت عصا تضرب الأرض.

خطوة…

ثم خطوة…

وصوت رجل كبير يقول:

"يا فتى… ماذا تفعل هنا بهذا الوقت؟"

قال بصوت مرتجف

أين... أنت؟"

لا أراك..."

اقترب الرجل خطوة، ثم وضع يده على كتف

رين برفق.

ارتجف رين من اللمسة...

لمسة إنسان بعد شهور من القسوة.

قال الرجل بقلق:

"ما الذي أصابك؟

ولماذا تمشي وحدك في هذا الظلام؟"

فتح رين فمه، لكن الكلمات خرجت متقطعة:

...لا... لا أعرف"

"لا ... لا أعرف...

استيقظت... ولم أعد أرى شيئًا .... كل شيء... أسود."

سكت الرجل لحظة، ثم جلس بجانبه على الأرض رغم البرد.

اهداً ... لن أتركك هنا.

لكن قل لي... إلى أين تريد الذهاب؟

ما وجهتك الليل في هذه الطرقات لا يرحم أحدا ."

تردد رين، وصوته يرتجف

"أريد... العودة إلى سيان...إلى... بلادي

"لكن... لا أعرف الطريق... ولا أعرف... أين أنا ..."

ابتسم الرجل ابتسامة لم يرها رين، لكنه شعر بها في نبرة صوته:

"لا تقلق.

أنا أعرف الطريق."

ثم مد يده، وأمسك بيد رين بقوة ثابتة:

...هيا

دعني أساعدك."

رین ابتلع دموعه ، وقال بصوت خافت

"لماذا ... تساعدني؟ أنت لا تعرفني..."

ضحك الرجل ضحكة قصيرة:

"لأنني إنسان يا بني...

ولأنني لا أترك أحدًا يموت أمامي." "

ثم شد على يده:

"هيا ... الطريق طويل، ولن نصل إن بقينا هنا ."

واخذه بعربته

بعد اسبوع من المعناه والعطش وعندما وصلو الحدود ذهب الرجل الكبير لانه اوصل رين لوجهته ونزل رين يكمل الباقي

بدأت الشمس تغرب، شعر رين أن جسده لم يعد يتحمل.

كان يسمع خفقان قلبه بوضوح...

كأنه آخر ما تبقى منه.

همس بصوت مكسور

"أرجوكم...

أحد...

ساعدوني.... "

ثم فقد توازنه، وسقط على وجهه فوق التراب.

لم يعد يشعر بقدميه.

ولا بيديه.

ولا بالبرد

كان يسمع فقط صوت الريح... وصوت خطوات تقترب من بعيد.

خطوات ثقيلة...

منظمة ....

كأنها خطوات جنود.

ثم سمع صوتًا يقول:

هناك رجل مغمى عليه

أسرعوا !"

وصوت آخر

من يكون؟

لا يبدو من فالكر...

لكن لا أحد منهم عرف الحقيقة.

لا أحد منهم تخيل أن هذا الجسد الملقى على

الأرض...

هو ولي العهد المفقود.

رين لم يسمع شيئًا بعدها.

كان قد غرق في ظلام أعمق من الليل.

استيقظ رين على رائحة الأعشاب الطبية، وصوت خافت لجنود يتحدثون خارج الخيمة.

فتح عينيه…

لكن الظلام بقي كما هو.

حاول الجلوس، فسمع خطوات ثقيلة تقترب، ثم دخل رجل ضخم البنية، يرتدي درعًا خفيفًا، وصوته يحمل نبرة قائد اعتاد أن يُطاع:

"أخيرًا استيقظت."

قال رين بصوت ضعيف:

"أين… أنا؟"

أجاب القائد ببرود:

"في معسكر حدود سيان. وجدناك مغمى عليك قرب الطريق.

والآن… نريد أن نعرف من تكون."

تردد رين لحظة…

ثم قال بصوت ثابت رغم ضعفه:

"أريد… أن ألتقي بالأميرة سيرا."

ساد صمت قصير…

ثم انفجر بعض الجنود خارج الخيمة بالضحك.

ضحك القائد نفسه بسخرية:

"الأميرة سيرا؟

وهل تظن أن رجلاً مجهولًا… أعمى… نصف ميت… يمكنه مقابلتها؟"

شدّ رين قبضته، وصوته يخرج ببطء:

"أنا لا أمزح."

اقترب القائد منه، وقال بنبرة تهديد:

"إذن أخبرني من أنت… وإلا أعدناك إلى الطريق الذي وجدناك فيه."

رين لم يرفع رأسه، بل مدّ يده ببطء نحو جيبه الداخلي…

ذاك الجيب الذي لم يفتحه منذ شهور…

حتى وهو في السجن، كان يخفي فيه شيئًا واحدًا فقط.

أخرج منديل الصيّاد الداكن، مطويًا بعناية رغم كل ما مرّ به.

منديل مصنوع من قماش متين، وعلى زاويته خياطة دقيقة بخيط ذهبي على شكل:

نسر صغير يفتح جناحيه، وتحته حرفان متداخلان:

S — R

رمز مسابقة الصيد الملكية…

والحرفان هما اختصار:

سيرا — رين.

هدية من الأميرة سيرا لأخيها يوم فاز في أول مسابقة صيد له.

مدّ رين المنديل نحو القائد، وقال بصوت خافت:

"أرِها هذا…

وستعرف من أنا."

أخذ القائد المنديل منه، نظر إليه…

ثم عبس.

"قطعة قماش؟

منديل قديم؟

ما الذي يفترض أن يعنيه هذا؟"

ضحك أحد الجنود:

"ربما سرقه من أحد التجار!"

وقال آخر:

"أو ربما يهذي… يبدو أنه فقد عقله."

لكن القائد لم يضحك.

كان هناك شيء في المنديل…

شيء في الخياطة…

شيء في الحرفين…

جعله يشعر بأن الأمر ليس عاديًا.

قال القائد ببطء:

"سأرسل هذا إلى القصر… فقط للاحتياط."

ثم التفت إلى رين:

"لكن لا ترفع آمالك.

الأميرة سيرا لن تأتي لرجل مجهول."

رين رفع رأسه قليلًا، وصوته يخرج بثقة هادئة:

"ستأتي."

القائد ضحك بسخرية:

"ولماذا تظن ذلك؟"

أجاب رين:

"لأن هذا المنديل…

لا يعرف معناه إلا هي."

ساد صمت ثقيل.

الجنود لم يفهموا شيئًا.

القائد لم يفهم شيئًا.

لكنهم شعروا…

أن هذا الرجل ليس عاديًا.

كانت سيرا في ساحة التدريب حين جاء أحد الفرسان يركض، يلهث، ويمدّ لها منديلًا داكنًا مطويًا بعناية.

"سيدتي القائدة… وجدناه مع رجل مجهول على الحدود."

أخذت المنديل بلا اهتمام…

لكن ما إن رأت الخياطة الذهبية — النسر، والحرفين المتداخلين — حتى تجمّدت.

شهقت بصوت خافت:

"هذا… ."

لم تنتظر ثانية واحدة.

صرخت:

"أحضروه إلى القصر الإمبراطوري فورًا!"

وانطلقت قبلهم.

---

وصلت سيرا إلى القصر قبل الجنود.

كانت تمشي بسرعة، خطواتها مضطربة، والمنديل في يدها ترتجف.

وقفت أمام غرفة الانتظار الشرقية…

كانت تنتظر هارو ليصل…

فهو يجب ان يرى رين.

فتح الحرس الباب، وأدخلوا رين ببطء.

كان يمشي مترددًا، خطواته غير ثابتة، لكنه حاول أن يبدو طبيعيًا.

سيرا لم تلاحظ شيئًا…

ظنّت أنه فقط ضعيف ومتعب من الرحلة.

ما إن رأته حتى اختنق صوتها.

"رين…؟"

لم ينتظر قلبها.

ركضت نحوه، واحتضنته بقوة، كأنها تخشى أن يختفي إن تركته.

"أخي…!

أخي رين…!

لقد عدت…!"

رين رفع يده ببطء، يتحسس كتفها، شعرها، ملامحها…

لكنها لم تفهم لماذا يلمسها بهذه الطريقة.

ظنّت أنه فقط مشتاق.

"سيرا…

أنتِ هنا…"

دموعها سقطت على كتفه.

"ظننتك… لن تعود أبدًا."

وفجأة…

فتح الباب بقوة.

دخل هارو بخطوات سريعة، وجهه متوترًا:

"سيرا! أين—"

توقف.

رأى رين.

رأى أخاه.

الرجل الذي ظنّه مات منذ سنين.

لم يفكر.

ركض نحوه.

"رين!!!"

لكن مساعده صرخ خلفه:

"أيها الإمبراطور هارو! احذر… ستقع!"

رين تجمّد.

الإمبراطور…؟

هارو…؟

أخوه…؟

التفت نحو صوت سيرا، وصوته يرتجف:

"سيرا…

منذ متى… هارو… إمبراطور؟"

سيرا مسحت دموعها، ونظرت إليه بعينين حزينتين:

"منذ سنيتن يا رين…

سقطت الكلمات على قلبه كالصاعقة.

فهم الحقيقة.

فهم كل شيء.

القرار الذي لم يتخذه…

لم يكن من أبيه.

كان من هارو.

أخوه.

More Chapters