Cherreads

Chapter 3 - Between Wrath and Fate

كان صباح اليوم التالي لمواجهة رايفن مع الشيطان هادئًا بشكل مخيف، كما لو أن العالم أجمع توقف ليشاهد ما سيحدث. اخترقت أشعة الشمس ستائر غرفة جدته المتواضعة الممزقة، مرسلةً أشعتها عبر الأرضية المتربة، مُبرزةً كل زاوية بعلامات الزمن والحرمان. عبقت الغرفة برائحة خليط من الغبار والخبز القديم، وتردد صدى صرير ألواح الأرضية البالية باستمرار، هامسًا بذكريات الزمن الذي مضى وكل لحظة من الألم والعزلة التي عاشها رايفن.

جلس رايفن على حافة السرير، يداه ترتجفان، يحدق في الفراغ كما لو أن الفراغ نفسه يُحدق به. لا تزال كلمات الشيطان تتردد في ذهنه: "هل تسمح لي بمساعدتك؟" هز رأسه ببطء. لا. ليس بعد. شيءٌ ما في أعماقه يرفض الاستسلام للظلام، حتى لو فاق وعد القوة كل تصور. ومع ذلك، كانت ذكريات كل إهانة، كل ضربة، كل لحظة وحدة تثقل قلبه كثقل جسدي على صدره. شعر أن الهواء نفسه أثقل من المعتاد، كما لو أن كل ذرة حوله تسعى لمنعه من التنفس بحرية.

توقف للحظات، يحدق في يديه المرتعشتين، ثم بدأ يمشي ببطء نحو النافذة. جعل ضوء الشمس الغبار يلمع في الهواء، كل ذرة منه تحمل ذكريات الأيام الماضية، وكل شعاع ضوء يخترق الغرفة ذكّره بالصراع الداخلي الذي كان يخوضه. شعر بالعزلة والخوف والغضب الذي لم يستطع تفسيره تمامًا، ومع ذلك اجتاح كل جزء من كيانه.

كان المشي إلى المدرسة أثقل من المعتاد. كل خطوة تحمل ثقل أحلامه الماضية، كل صرخة قديمة، كل نظرة ساخرة لم تتلاشى من ذاكرته. كانت الشوارع أكثر حدة اليوم، وشقوق الأرصفة كندوب على الأرض، تعكس كسورًا بداخله. مرّ بديريك، وميلو، وكايد، وفين - أعدائه المعتادين - مبتسمًا كعادته. لكن اليوم، تغير شيء ما في عيني رايفن. كان هناك هدوء مكبوت، وتوتر كامن تحت السطح، ومع ذلك أبقى رأسه منخفضًا، متجنبًا المواجهة، يراقب كل حركة بعينين يقظة، كما لو كان يقيس كل خطوة قبل أن يخطوها.

رقصت ظلال الأشجار على الأرصفة المكسورة، ولاحظ كيف تحمل كل ورقة متساقطة أثر ريح الأمس، كما لو أن الطبيعة نفسها تشاركه توتره الداخلي. تذكر كل مرة حاول فيها الاندماج مع العالم، وكل محاولة ليبدو "طبيعيًا"، وكل مرة انتهت بخيبة أمل.

عند دخوله الفصل، لم يجد ملجأ. استمر المعلم في الثرثرة، غافلاً عن العاصفة التي تختمر في الغرفة. ذكّرته الهمسات والضحكات الخفية والنظرات الحادة الموجهة إليه بأن العالم لا يزال مكاناً عدائياً. ومع ذلك، ولأول مرة، لاحظ شيئاً غريباً. غضبه، وإن كان مكبوتاً، كان له وزن ملموس. لم يعد يائساً فحسب، بل كان حاداً ودقيقاً، أداةً يستطيع تشكيلها. جلس بهدوء، يراقب كل حركة من حوله، وكل كلمة تطفو في الهواء، محاولاً فهم أي شيء يمكن أن يمنحه القوة أو يجبره على الاستسلام.

بينما كان منغمسًا في مراقبة الفصل، غزت أفكارٌ متفرقةٌ عقله: هل يستطيع استخدام هذا الغضب إيجابيًا؟ هل يستطيع التحكم في قوته الداخلية بدلًا من تركها تسيطر عليه؟ دارت هذه الأسئلة بلا نهاية، مما زاد من توتره، لكنها أشعلت أيضًا شرارةً صغيرةً من العزيمة في داخله. تذكر ابتسامة والدته العابرة، وغياب والده المفاجئ، وسخرية زملائه المستمرة، في كل مرة شعر فيها بخيبة الأمل، وفي كل مرة رفض فيها الرضوخ للعالم.

في لحظة ما، وقعت عيناه على دفتر صغير في حقيبة صديقه القديم، الذي رحل منذ زمن. انتابه ألمٌ عميق، لكنه أشعل في نفسه شرارة ذكريات جميلة، لحظات لم ينساها، حيث كتب قصصه الصغيرة الأولى وشاركها مع صديقه قبل أن يسلبه العالم تلك الفرحة البسيطة.

بعد المدرسة، سلك رافين طريقًا أطول إلى المنزل، متجنبًا الأزقة المألوفة التي قد يهاجمها ديريك وعصابته. توقف عند حديقة مهجورة، حيث كان الهواء يحمل رائحة المطر ودخان النيران البعيدة، وسمع زقزقة الطيور المتقطعة وهي تجثم على الأشجار المتفحمة، كما لو أن الطبيعة نفسها تحمل ندوب صراعه الداخلي. جلس على مقعد مكسور، قبضتاه مشدودتان، يشعر بجسده مشدودًا كنبض قلب، متذكرًا كل لحظة ألم عاشها، كل صدمة، كل خيانة من العالم من حوله.

تدفقت الذكريات في ذهنه - ابتسامة أمه العابرة، الفيروس، غياب والده، سخرية زملائه المستمرة، وكلمات الشيطان التي لا تزال تتردد في أذنيه: "هل تسمح لي بمساعدتك؟" للحظة، شعر بالفراغ نفسه الذي رآه في حلمه، فراغ يهدد بابتلاعه. لكن همسًا تسلل إلى ذهنه. لم يكن صوت الشيطان هذه المرة، بل صوته الداخلي: "أنت أقوى مما يظنون، أقوى مما يعرفه العالم. ولست بحاجة إلى قوتهم... ليس بعد."

وقف رايفن فجأة، تاركًا الريح تُعكّر صفو شعره، وأغمض عينيه لبضع ثوانٍ، محاولًا استعادة تركيزه. لم يفهم المعنى تمامًا، لكن ذلك كان كافيًا لإشعال شرارة في داخله. ولأول مرة منذ سنوات، شعر أن أمامه خيارًا - أن يعيش وفقًا لشروطه الخاصة، لا وفقًا لقواعد العالم أو أي قوة خارقة كامنة.

عاد إلى منزل جدته، فوجدها تنتظره مع وجبة بسيطة؛ رائحة الخبز والدخان البارد منحته شعورًا نادرًا بالراحة. قالت بقلق: "رايفن، لقد كنت هادئًا اليوم".

ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يخفي الصراع في صدره: "أنا بخير".

ومع ذلك، في داخله، كان يعلم أنه ليس كذلك. في زاوية الغرفة، وقعت عيناه على صورة أخت لم يرها منذ زمن طويل - تذكيرٌ بأطراف العالم الضائعة، شيءٌ غامض يربط الماضي بالحاضر، يثير الفضول والغضب في قلبه.

جلس على الأرض بجانب السرير، يتنفس بعمق، محاولًا استيعاب كل ما حدث اليوم، كل عاطفة، كل تفصيلة صغيرة قد تمنحه القوة. أصوات المدينة البعيدة، صرير الأرض، وحتى همسات جدته، شكلت جزءًا من المشهد الداخلي الذي يتشكل بداخله.

في تلك الليلة، غلبه النوم على مضض. تقلّب رايفن في فراشه، لكن الحلم عاد - ليس كما كان من قبل، بل جزءًا صغيرًا فقط. رقصت الظلال في زوايا الغرفة، ملتوية كذكريات المدينة التي رآها في رؤية الشيطان. همسٌ بارد قال: "لن تتجاهلني للأبد... ستضعف للأبد؛ أريد مساعدتك."

استيقظ رايفن فجأةً صارخًا: "ابتعد عني! لا أريدك!" خفق قلبه، والغرفة مظلمة إلا من صرير الأرضية. تصبب العرق من جبينه، ومع ذلك شعر بمزيج من العزيمة والخوف في داخله. لم يستسلم هذه المرة - ليس بعد.

جالسًا على سريره، يتأمل كل الدروس التي علّمه إياها الألم والفقد، في كل مرة رفض فيها الاستسلام. نبض شيء جديد في داخله - شرارة صغيرة من القوة، لكنها حقيقية، لم تُمنح له ولم تُسرق، وُلدت من الفوضى التي تحملها. كانت له.

خطرت في باله فكرة جديدة: أسرارٌ أعظم تنتظره، قوى ستجبره على اتخاذ قراراتٍ قريبًا... أمرٌ، ربما قريبًا جدًا، سيُغيّر كل شيء. وربما تكون الأخت المفقودة جزءًا منه.

وفي هذه الأثناء، على الجانب الآخر، تحدث ملك الشياطين مع الظلال:

"هذه بذرتنا، قوتنا..."

أجاب الظل بصوت غامض: "سيدي، لماذا لا تأخذ جثته؟"

فأجاب الملك بحزم: "أريده نفسه، وليس جسده. أيها الحمقى!"

أغمض رافين عينيه من الإرهاق وقرر اختيار طريقه الخاص، وأن يكون قوياً، وأن يواجه كل ما يأتي، بغض النظر عن المخاطر.

فجأةً، شعر بنسيم بارد يتسلل عبر الشرفة. همس خافت، يشبه صوت أمه: "القادم أعظم منك، استعد...".

رفع رايفن رأسه ببطء، وعيناه تتسعان من الصدمة والخوف. كان يعلم أن ما سيأتي لن يكون مجرد اختبار للقوة، بل اختبار للروح... وفي ذلك الصمت المميت، شعر أن العالم نفسه يراقبه، مستعدًا للكشف عن سره الأعظم.

More Chapters